| |||||||||
اضغط هنا لمعرفة الخصائص الجديدة في شبكة ومنتديات وطن
| |||||||
| الملاحظات |
| منتدى القصص و الخيال كل مايتعلق بالقصص الخيالية والقصيرة الشقية والممتعة |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| | #17 (permalink) |
| مشرفة واحة الشعر والقصص ![]() ![]() تاريخ التسجيل: Jun 2007 الدولة: ذات منفـــــى
المشاركات: 6,683
![]() | ؛ / الجزء السابع// غابت الشمس وحمد لازال في سدرته، وبدأ الظلام يجن المرئيات حوله بردائه الصفيق، والأفكار تعلو به وتحط، وبدأ السؤال الذي خلفته مكالمة سعد يغلف ذهنه " ماذا أفعل؟ ". كان الهواء يهب مدوما ً حاملا ً ذرات الغبار، والأعشاب والنباتات البرية تتأود وهي تمر ببدايات اليباس والتحول إلى هشيم ستذروه الرياح يوما ً، وحمد مازال هناك خلف المقود يفكر بعرض سعد. الفرصة التي يحلم بها منذ تعرف على سعد هاهي تأتيه بكل بساطة، كل ما عليه هو أن يقطع ال 400 كيلا ً التي تفصله عن الساحل الشرقي ويلتقيه، يجالسه، يتحدث معه، يراه ويتخذه صديقا ً من لحم ودم لا صديقا ً شبحيا ً. ولكن كيف يسافر ويترك أصدقائه والمخيم، ثم هل سيأذن له والداه بالسفر؟ قطعا ً لا، ثم لو أذنا له كيف سيقطع هذه المسافة وحيدا ً؟ فهو لم يسافر قط خاليا ً، كيف وكيف؟ وتداعت الأسئلة على ذهنه تداعي الجدار المقضوض. تنبه على الظلام الذي لفه وتداخل مع الموجودات من حوله، وأدركته وحشات القفر والليل والوحدة فأشعل أضواء السيارة وانطلق إلى المخيم، وإلى أصدقائه الذين تأخر عليهم، وهو يدافع الهواجس ويحاول التركيز على منعرجات الطريق، حتى وصل المخيم وقاطنوه قد صفوا يصلون بعدما ملوا انتظاره. توضأ وأدرك الركعة الأخيرة معهم، وعندما انتهوا من الصلاة، أقبلوا يسألونه عن حاله وعن تأخره، فتعذر بطارئ شغله، وانتهز فرصة انشغالهم بإعداد القهوة ليعود إلى كهوف ذهنه. " أذهب أو لا أذهب، هذه هي المعضلة"، قال لنفسه وهو يرتشف القهوة، " إن ذهبت فدون ذلك أراضي أقطعها، وأهلا ً أقنعهم، وإن رفضت وبقيت في مكاني ندمت بقية الأسبوع، ومن يدري فربما ندمت بقية العمر، آه يا سعد، ماذا فعلت بي؟ لقد كنت أعد نفسي لنهاية أسبوع أودع بها التعب والنصب، فجعلتني أستقبل ما منه فررت". * * * لاحظ أصدقائه شروده، وعدم مشاركته لهم أنشطتهم، لم يكن مهموما ً ولكنه كان في أرض أخرى أو عالم آخر، سألوه عما به ولكنه نفى أن يكون هناك شيء، فآثروا تجاهل الموضوع وعدم إزعاجه. تناولوا عشائهم، وشربوا الشاي حول النار، وجعلوا يتبادلون الحكايات والأقاصيص والسوالف، حتى تمكن منهم النوم، وبدأ عددهم حول النار يتناقص حتى لم يعد هناك سوى حمد. جافاه النوم رغم تعبه، وقاربت الساعة منتصف الليل، وأسئلته ما زالت معلقة بلا أجوبة، بلا نهاية مغلقة، قلبه يدفعه شرقا ً، وعقله يجذبه أرضا ً، وبين العقل والهوى معركة منذ كان الإنسان. غلب هواه على عقله عندما أدركه التعب، سيسافر ليلقى سعد هكذا قدر، فالفرص لا تأتي مرتين، سيسافر ضحى الغد، بعد الإفطار سيبلغ رفاقه أنه سيعود إلى المدينة لأن لديه عمل يقوم به هناك، ولن يخبر أمه وأباه بسفره، سيطويه في صدره وفي هذه البرية، وأما السفر وحيدا ً فرغم جزعه وتخوفه منه ولكن جاء اليوم الذي يجب أن يعتمد فيه على نفسه. استراح قليلا ً بعد هذا القرار، فتح جواله وكتب رسالة قصيرة إلى سعد " أنا قادم ضحى الغد"، وألقى الجوال بجانبه وانطرح بجانب النار الخابية، يتأمل النجوم التي تلمع كباقي الدمع في عين صبي، حتى غابت النجوم خلف جفنيه وهو يتردى في هوة النوم، وفي صمت الليل اهتز الجوال مستقبلا ً رسالة أقصر من سعد تقول " أهلا ً بك". * * * فتح عينيه في لحظة، وجد نفسه ما زال في العراء، والشمس قد بدأت رحلة الإرتفاع، وأصوات مروان وعبدالعزيز وهما يصنعان القهوة تصل إلى أذنه كأنها قادمة من الأعلى، من السماء. نهض متثاقلا ً، وهو ينظر بنصف عين فيما أغلق الأخرى إلى رفيقيه، اللذان انتبها له فبادره مروان قائلا ً: - ما شاء الله، مهيب العادة؟ نايم برى ومتأخر في القومة يالعصفور. قال حمد بصعوبة بعدما سعل عدة مرات حتى يجد صوته: - صليتوا الفجر؟ - لا... نتحراك... أكيد صلينا، وعجزنا وحنا نقومك أنت والفطيس الثاني ناصر. تركهما وتوضأ وصلى متأثما ً، وعاد ليجلس وهو يحس بالألم في عظامه وعضلاته من قسوة الأرض، كان مروان قد توسط الزولية وجلس بجانبه عبدالعزيز وهما يشربان القهوة ويأكلان التمر مطوحين بالنوى. تناول الفنجال الذي مده مروان، وتناول تمرة واحدة لتخفف مرارته، فيما مروان يسأله: - عسى ما شر؟ تعبان؟ - لا... ما فيني إلا العافية. - ما أدري أنا يوم قمت الفجر لقيتك نايم برى، حاولنا نقومك ولا قمت قلت شكله تعبان، وبعدين قمنا أنا وأبو سعود ولقيناك ما رحت في جولتك الصباحية، قلنا الله يستر لا يصير الطائر المشقشق تعبان بس. ضحك أبو سعود على وصف مروان الهازئ (الطائر المشقشق) فعاجله مروان: - وأخيرا ً تنزلت وضحكت يا أبو سعود وشفنا سنونك، حرام عليك يا خي لا بغيت تضحك المرة الثانية تلثم تراك فتنة، ترى قلبي ما يقوى على النعومة. - أقول وسع بس، ولا تبتلينا على هالصبح. - أفا يا بو سعود أفا، أنا أبتليك؟ هذا وأنا أحبك وأدعيلك دايم أن الله يزوجك مدام توسو. - وش مدام توسته أنت يا مخرف، أقول أعقل بس. - توست؟ أنا قلت توست؟ شكله بدأ مفعول الجوع يا بو سعود؟ وإلا تلمح أنك تبي توست على الفطور؟ عاد من وين نجيب لك توست بهالبران؟ - والله النشبة مع هالدب المهبول، فكني منه يا حمد، تكفى. ولكن حمد كان في عالم آخر، حتى أنه لم يسمع ولا حرف من هذه المشاكسات الدائمة، كان يفكر في قراره مرة أخرى، فقرار الليل يمحوه النهار، وهواجس الليل تكتسي وضوح النهار فتكون أشد وأوجع. بدأ يحس الرهبة في صدره، والضعف في ساقيه، وانسداد النفس عن الأكل والكلام، وعندما زادت مشاكسات مروان وهجومه على أبو سعود، ضاقت نفسه فنهض مستأذنا ً حتى من دون أن يكمل فنجاله، وسار يبحث عن شجرة يحزم في ظلها أمره. بعد مئات الأمتار وجد ضالته في أثلة ضخمة، قد اسود جزء من جذعها بنار مجهولة، ونقش على جهة أخرى منه بخط مرتبك ( ذكريات أشواق + فاطمة + نوف 23/12/1425 هـ)، تناول غصنا ً يابسا ً وجلس على الأرض وجعل ينكت به الأرض وهو يفكر من جديد. " سأذهب... سأذهب، ولكن متى؟ سيقتلني الإنتظار إلى وقت الإفطار، لأفعلها الآن، نعم الآن، أنا لست جيدا ً في الإنتظار، سأفقد عقلي لو بقيت ساعة واحدة، سأتحرك الآن". عاد وقصد سيارته أولا ً وشغل المحرك، ثم عاد إلى مروان وعبدالعزيز اللذان ينظران إليه بإستغراب وقال بنفس منقطع: - برجع للرياض؟ مروان: عسى ما شر؟ فيه شيء؟ عبدالعزيز: وراك؟ عسى منتب تعبان. حمد: لا... أنا بخير ولا بي إلا العافية، بس فيه ظرف طارئ برجع للرياض بسببه، وبجي هنا الليلة إذا خلصت بإذن الله، توصون شيء. قالها وهو يفر هاربا ً إلى سيارته، فلحقه مروان وأمسك بيده وهو يهم بالركوب: مروان: حمد... خير إن شاء الله، الأهل فيهم شيء؟ حمد: لا... الأهل فما فيهم إلا العافية، بس أنا صار لي ظرف طارئ وبروح الرياض وبرجع الليلة ما هنا إلى كل خير، لا تخاف، حتى أهلي ما راح أقولهم شيء عشان لا يخافون، الموضوع ما يستاهل. مروان: خير إن شاء الله... الله يوفقك، المهم طمنا عنك، في أمان الله. حمد: في أمان الله، سلم لي على الشباب إذا صحوا، ناصر ومحمد. ثم ناوله الفصل المطبوع والذي نسيه أمس في السيارة وهو يقول: حمد: سم هذا الفصل الأول من روايتي، بشوف رأيك فيه إذا رجعت الليلة. مروان: خير إن شاء الله. وانطلق بأقصى سرعته، وصارت أحشائه تثب مع وثبات السيارة على الطريق مسببة له ألما ً وضيقا ً، حتى وصل إلى الطريق الإسفلتي، وحالما اعتلاه انطلق يمينا ً حتى التقى الطريق بطريق آخر متجه إلى المنطقة الشرقية. توقف عند أول محطة قابلته على طريق الدمام، طلب من العامل ملأ خزان الوقود، فيما نزل هو إلى البقالة الصغيرة التي غطى الغبار جدرانها وبضاعتها وحتى بائعها البنغالي. تناول مجموعة من المشروبات وقوارير الماء والكيك وألقاها في الكيس ودفع ثمنها حتى بدون أن ينظر إلى وجه البائع، وعاد إلى سيارته وانطلق بها بعدما دفع ثمن الوقود. * * * استقبل الطريق الآن، وجعل الإسفلت الذي بدأت الشمس تصليه يلمع كأنه مدهون بالزيت، جذب قارورة ماء وخلع غطائها بقوة كادت تسكب بعض الماء على ثيابه، عب منها بقوة العطش والحيرة والبال المشغول، زاد سرعة السيارة ودفع شريطا ً في المسجل حتى يفر من أفكاره التي آنست منه انفراده وسفره الطويل. تساءل عندما تعب من الفرار " هل كان قرارا ً صائبا ً؟"، " عقلا ً... لا، كان قرار هوى ً متسرع، أنا أعرف هذا، ولكن ما الذي سينجيني من لوم نفسي وعذلها إن أنا تركت هذه الفرصة تفر من يدي؟". أحس بضيق وداخله خوف عندما فكر " ماذا لو أن أمي وأبي علما بسفري دون إخبارهما؟ خصوصا ً أبي"، وبدأ يوم قديم مدفون وسط ركام الذكريات ينهض كعنقاء ويعود إليه محلقا ً متجسدا ً كأنه يرى مشاهده الآن. كان حينها في السابعة من عمره، وكان أبوه أيامها يعمل في عمله الرسمي صباحا ً وعمل إضافي بعد العصر ثم يعود ليلا ً متعبا ً مهدودا ً لينطرح في مكتبه حتى موعد نومه نصف الليل، لذلك كانوا لا يرونه إلا في الصباح عندما يوصلهم إلى المدرسة أو على مائدة الغداء للحظات قبل أن يغيب في بطن كتبه وأبحاثه، كان بعيدا ً عنه وعن أختيه هيلة التي كانت في الخامسة حينها وعبير التي كانت في الثانية من عمرها. وفي ظل ابتعاد الأب عن جو البيت فإنه من الطبيعي أن يتحول حمد إلى عفريت صغير، فطيبة الأم لم تكن لتردع شقاوة الطفل وبدايات نموه في ذلك الوقت، لذلك كان حمد يعتدي على أختيه ويشاكسهن، ويخرج إلى البقالة القريبة رغم تحذير أمه الدائم له خوفا ً عليه وتهديدها له بأن تخبر أباه، الذي لم يكن يزيد على تهديد حمد وتخويفه. حتى جاء ذلك اليوم، كان حمد عائدا ً من البقالة ذات صيف يحمل في يده ايسكريما ً يتقاطر على يده وتذوب الكريمة المنعشة في فمه، وعلى غير انتظار عاد أبوه بعد أن استأذن من عمله المسائي وصادفه في الشارع الضيق بجانب منزلهم. كان حمد ساهما ً عندما توقفت إلى جانبه سيارة أبيه على حين غرة، وسمع أبوه يزعق فيه " حمد؟ وش أنا قايل لك؟"، داخله الرعب فلم يتحرك وبقي الأيسكريم يذوب على أصابعه، فيما قفز أبوه من السيارة بكل الغضب والحنق وصفعه ملقيا ً بايسكريمه أرضا ً، وجاذبا ً إياه إلى السيارة. بدأ حمد يبكي واختلطت دموعه بناتج أنفه الذي سال، فيما أبوه يزعق فيه بعنف " كم مرة أعلمك؟ كم مرة أقولك؟ لا تطلع بالشارع، لا تضرب خواتك؟ هالحين أوريك"، وعندما دخلا البيت أمسكه أبوه بقوة ودفعه إلى الجدار، أحس حمد بقسوة أحجار الجدار وهي تضغط على رأسه الصغير وبقوة اليد التي هزته وأبوه يقول بصوت هامس مرعب وعيناه تغوصان في أعماقه " إن شفتك مرة ثانية طالع من البيت كسرت رجلينك، تسمع؟"، هز حمد رأسه الذي تلوث بنواتج عينيه وأنفه وبقايا الايسكريم على أصابعه وفمه، وهو يبكي بكل قوته، يبكي خوفه ورعبه، يبكي ذلته وهو يرى ابتسامة أخته هيلة الشامتة. أطلقه أبوه لتجذبه أمه إلى دورة المياه وتغسل وجهه ويديه، وهي لا تكف عن تأنيبه " كم مرة قلت لك، يا حمد يا وليدي ترى أبوك بيضربك، حمد خلك رجل، حمد خلك عاقل، هه وش استفدت الحين؟ أبوك ضربك وزعل عليك، الله يصلح قلبك وأنا أمك" لم يرد حينها اكتفى بالبكاء وعندما أطلقته قصد فراشه وجعل يبكي هناك حتى نام. أثرت فيه هذه الحادثة كثيرا ً، قد نقول أنها قتلت شقاوته وعبثه في لحظة، وربما كانت أول نقش في لوح غربته، صحيح أن أبوه استدعاه في اليوم التالي ونفحه قبضة ريالات كترضية، ولكنه ظل في نظره ذلك الرجل المخيف الذي لا يجب أن تصل الأمور إليه. كبر حمد وكبر معه هذا الخوف الغريزي، يخاف نظرات أبيه، يتوقف عن الضحك عندما يدخل، يخفي عنه كل شيء، لا يتحدث معه إلا عندما يجيب على أسئلته، ينفذ كل ما يطلبه منه بلا مناقشة، وكان دائما ً ما يحاول عزو علاقته الباردة مع والده إلى إنشغال أبوه الدائم في المكتبة وقراءاته وأبحاثه، ويحاول تناسي تلك الحادثة. بدأ هذا التحول مريحا ً للأب في البداية، فالولد الشقي المتعب أصبح هادئا ً مطيعا ً، تخلص من ثرثرته اليومية ونزقه واعتداءاته على أخواته، ولكن مع مرور السنين وخصوصا ً عندما اكتفى بعمله الرسمي وأصبح يقضي وقتا ً أطول في البيت، بدأ يدرك أنه وأد طفولة ابنه. نحى حمد ذكرياته بصعوبة وحاول التركيز على لقائه المرتقب مع سعد، هذا اللقاء المصيري للعلاقة الوليدة، ترى ما الذي جعل سعد يعرض عليه هذا العرض السريع وهما لم يعرفا بعضهما إلا من فترة بسيطة؟ هل سيكون سعد انسانا ً رائعا ً كما توحي كتاباته؟ أم سيكون مجرد خدعة قلم؟ حاول تخيل شكل سعد؟ فكر بالصورة الذهنية التي رسمها عقله لسعد، كانت تمثل شابا ً بدينا ً أبيض اللون وله لحية خفيفة على خديه، ثم بدأ عقله يقوم بتعديلات مجنونة، أنقص وزن الشاب ثم أعطاه شاربا ً كثا ً ولونا ً أسمر، ثم أضاف لحية كثة ثم تراجع وحذفها، ثم مسح الصورة كاملة وتخيله يشبه (كولين فاريل) ولكن بشارب خفيف وبقايا لحية. أحس بتعب ذهني ونفسي حاول اطفائه بتجرع عصير برتقال طازج قد خفت برودته، وبمراقبة عداد لوحات الطريق وهو يتناقص، والطريق يمتد أمامه كأنه بلا نهاية، والشمس تزداد حرارة. * * * كان قد اقترب من الخُبر عندما رن جواله، قفز قلبه إلى فمه " من هذا؟ لا يكون أبوي ويبي مني شيء؟"، التقط الجوال وزفر بقوة عندما وجد رقم سعد، نفخ بقوة ومسح آثار الإضطراب من صوته ورد: - هلا. - هلا... حمد، السلام عليكم. - وعليكم السلام، هلا والله. - وين أنت؟ - حول الخبر، قريب. - افا... أنا ما أقدر أشوفك اليوم، انشغلت وصار عندي ظرف طارئ. - ايششششششششششش؟ - هههههههههه، امزح معك وراك انهبلت. - حسبي الله على عدوك، قاطع لي 400 كيلو، خاف الله فيني. - طيب يا عزيزي، أنت عارف الراشد، صح؟ - صح. - طيب الوعد في مواقف الراشد، هناك نلتقي ومن هناك آخذك، على فكرة وش سيارتك؟ - شيروكي أخضر. - خلاص تمام، كم تحتاج حتى توصل هناك. - ثلث ساعة وأكون هناك. - على بركة الله، والحمد لله على السلامة. - الله يسلمك. أغلق حمد الإتصال، وفعلا ً بعد ثلث ساعة كان يوقف سيارته في مواقف الراشد، وينزل منها والشمس تصلي رأسه من حرارتها، جعل يتلفت حوله بحثا ً عن شخص ينتظره ولكن لم يكن هناك أحد في الجوار، وتناهى إلى سمعه صوت أذان الظهر يرتفع من مسجد بعيد، فعاد إلى سيارته وجعل ينتظر تحت الهواء البارد الذي يبثه المكيف. ؛ / ؛
__________________ .... بحبكم كتير الله لا يحرمني منكم :) .... |
| | |
| | #18 (permalink) |
| مشرفة واحة الشعر والقصص ![]() ![]() تاريخ التسجيل: Jun 2007 الدولة: ذات منفـــــى
المشاركات: 6,683
![]() | ؛ / الجزء الثامن // في حي من أحياء مدينة الخبر يقع بيت قديم، وإن كان المار به لا يلاحظ قدمه بعد الترميمات التي طالت داخله وخارجه مؤخرا ً، والتهمت جزءا ً كبيرا ً من مدخرات صاحبه. يقطن هذا البيت الشيخ عبدالرحمن أو أبو وليد كما يناديه الجميع، وهو عجوز سبعيني جاء إلى المنطقة قبل خمسين سنة هاربا ً من نجد العطشى حينها، جاء فردا ً وتقلب في صنوف الشقاء والتعب، وذاق الغربة مكانا ً وزمانا ً وقلبا ً، حتى دقت السنون حَبَهُ وأنخلت دقيقه. ثم فتح الله له باب الرزق وأنعم عليه، فعاد إلى نجد بالمال ليتزوج ابنة عمه ( سلمى) التي كانت حينها ترفل في ربيعها الثامن عشر، بينما كان هو كهلا ً ثلاثينيا ً مجربا ً. مضت السنين وبطن (سلمى) يتكور ليقذف بالأطفال ثم يعاود الكرة حتى أوفى على سبعة أولاد وثلاث بنات، تبقى منهم الآن خمسة أولاد وبنتين، وليد ( البكر) وسليمان ( الذي يعمل اليوم في جدة) وعلي ( الذي نال شهادة الدكتوراة في (إقتصاديات البيئة والموارد الطبيعية) من جامعة ( وست فيرجينيا) في الولايات المتحدة الأميركية) ومحمد ( توفي رضيعا ً) و تركي وعبدالعزيز وبدر ( قتل في حادث سيارة)، أما البنات فوضحى ( ماتت بالجدري) وهند وأسماء. ثم بعد سنوات تزوج أبو وليد ابنة أحد أصدقائه، وزف إليها وقد قارب الخمسين رغم همسات أبنائه الكبار الغاضبة وبكاء ابنتيه، كانت الزوجة الجديدة تعمل معلمة في مدرسة ابتدائية في الدمام، جميلة وبيضاء ذات عرج خفيف أثر حادث سير كاد أن يقضي على حياتها قبل سنوات، ونجت منه بنفس وقدم معطوبة. ومن السنة الأولى أنجبت شيخة ( وهذا هو اسمها) ابنها الأول سعد ثم أتبعته بعدها بسنوات أخته نوال، قبل أن ينصحها الأطباء بالتوقف عن الإنجاب خوفا ً على صحتها المتدهورة، حيث كانت تعاني فقر في الدم و صداعا ً دائما ً يطرحها أرضا ً طوال اليوم، ويخلفها بمزاج عكر عندما يزول، فكان الشيخ يحمل طفليه الغريرين اللذين اكتسبا بياض أمهما وعينيها الحوراوين إلى بيته الآخر، ويتركهم وهو يوصي أم وليد بحسن معاملتهم والإنتباه لهم من مضايقات أبنائها الأشقياء، فتهز رأسها وهي تتمتم " خوش والله، عيالنا ما بزيناهم نبزى عيال الناس". اصطلح أبناء سلمى على تسمية أخوتهم من المعسكر الآخر ( أولاد الأبلة) بحكم أن أمهم معلمة، وفيما بعد عندما نبغ سعد في المدرسة حاز لقبا ً خاصا ً به هو ( الدافور). كان سعد يحس بالغربة مع أخوته، كان لهم محيط يختلف عن محيطه وجو لا يناسب جوه، ولكنه بدأ يحبهم ويعتمد عليهم وخصوصا ً بعدما دخل المدرسة وعاين التغير الذي يطرأ على معاملة الجميع له بعدما يعلمون بأنه أخ لعبد العزيز، الذي كان يلقب سرا ً بالبعير نظير ضخامة جسده وقوته الهائلة. ثم جاء المنعطف الكبير في علاقته بأخوته في السنة الثالثة الابتدائية، حيث أعاد أخوه بدر السنة راسبا ً في الرياضيات التي كان يسميها ( مادة إبليس)، فأصبحا في فصل واحد، وسرعان ما تآلف الأخوان ونسى بدر حزازات البيت وخلفها وراء ظهره وهو يرى اهتمام أخيه بمساعدته في حل الواجبات وتجاوز الامتحانات حتى استطاعا تخطي السنة معا ً. تركت شيخة ( أم سعد) التدريس بعد ولادتيها وزيادة متاعبها الصحية، وتفرغت لتربية ابنيها رغم نوبات الصداع المتكررة، وكان أن زرعت في ابنها سعد هوايتها التي منعها منها الصداع، القراءة المكثفة، فكانت تغرقه في الصيف الطويل بأعداد لا تنتهي من مجلات ميكي و بطوط وسوبرمان وغيرها من مجلات الأطفال، لتحقق هدفين أولهما تحويل الهواية إلى عادة عند ابنها والآخر تقليل خروجه من البيت وبعده عن نظرها. وبعد سنوات حَمِدَ سعد لأمه ذلك التصرف، وخصوصا ً بعدما فطم من القصص المصورة، وانتقل إلى قراءة روايات عربية أو عالمية ذات طبعات شعبية كان يحصل عليها في أيام الصيف الحارة والرطبة من مكتبة تبعد عن بيتهم ثلاثة شوارع. مع مرور السنوات بدأت قراءات سعد تتوسع لتشمل الجانب الديني والتاريخي والنفسي والأدبي، وخصوصا ً بعدما قدم له والده كهدية تخرج من الثانوية مجموعة ضخمة من الكتب في مجالات متعددة كانت نواة للمكتبة الوليدة. كانت العلاقة التي بدأت صغيرة بين سعد وبدر قد تحولت إلى حب أخوي نادر، كان بدر يفخر فيه بعقلية أخيه الصغير وذكائه واتساع معارفه، وكان يستشيره في كثير من الأمور متناسيا ً فارق السن بينهما. وكان سعد يبادله حبا ً بحب، فهو أقرب أخوته له، وأطيبهم قلبا ً، صحيح أنه كان يعجب بقوة عبدالعزيز وسطوته، ويفتخر بأخيه الدكتور علي الذي جاء بالدكتوراة من أمريكا، ولكن يبقى بدر على بساطته هو الأعز. قبل سنوات معدودة كانا يترقبان نتيجة الثانوية العامة، حينها جاء تركي حاملا ً الجريدة وهو يصيح " أهب عليك يا أبو دفرة جايب 96 %"، اختطف بدر الجريدة وبحث عن اسمه ثم عندما وجد معدله الهزيل ألقى بالجريدة جانبا ً وركل الأرض وهو يزعق " واوووووك... ياربييييه!!!! كله من مادة إبليس، هي اللي طيحت معدلي، والله حالة". قبل سعد في ( جامعة الملك فهد للبترول والمعادن)، فيما لم يجد بدر بدا ً من السفر للدراسة في جامعة الإمام بالقصيم مع أبناء عمه هناك، والتردد بين القصيم والشرقية في نهاية الإسبوع لزيارة أهله. حتى جاء ذلك اليوم الذي لم يعد فيه، وقبيل مغيب الشمس غادر الأب العجوز البيت متعجلا ً إثر مكالمة هاتفية يصحبه ابنيه وليد وعلي اللذين جاءا من منزليهما، وليد من الدمام وعلي من سكن الجامعة، وانطلقوا إلى الاحساء ليعودوا به ملفوفا ً بقماش بلله الدم، والأب العجوز قد أخضلت لحيته دموعه وهو يبكي بصوت خفيض ويحرك يديه كأنه يطرد نذر الموت التي خطفت ابنه. صلوا عليه ظهر الغد، ثم حملوه إلى المقبرة التي خيم عليها الصمت، وقفوا أمام القبر الفاغر ووضعوا النعش، ثم تقدم الذين لم يدركوا الصلاة فصلوا، ثم نزل سليمان - الذي جاء من جدة - ووليد ليضعاه في اللحد ويسدانه باللبن والطين، ثم أهالوا عليه التراب وأعلوا التراب بالبحص الأبيض. جاء سعد إلى المقبرة ذاهلا ً، يرمق ما يحدث بعيون جاحظة، الأصوات من حوله تخفت... وتخفت، لا يكاد يسمع هسيس المساحي وهي تهيل التراب، ولا تمتمات الدعاء التي تنطلق من الأفواه المحيطة به، كان يرقب تركي ولحيته ثائرة مغبرة، علي وقد تجرد من أبهة المنصب مشعثا ً مغبرا ً، أبوه وهو يتجلد ويملأ عينيه بالنظرات الأخيرة إلى ابنه، ابنه الذي أمضى سنوات طويلة يراه وهو يدرج أمامه. تواردت إلى ذهنه صور سريعة من حياة بدر، بكاءه عندما ألقاه تركي وعبدالعزيز في الماء ذات الشتاء على الكورنيش، عيناه اللتان كانتا تنعسان عندما كانا يذاكران الرياضيات، سندوتشات الفلافل التي كان يلتهمها ليالي الامتحانات وهو يقول " العقل ما يشتغل والبطن فاضي"، منظره وهو مغطى بالطين عندما تعثر في مزرعة خاله بالقصيم قبل سنوات إثر مطر غدق، الابتسامة التي تظهر على طرف فمه عندما يرد اسم بنت خاله التي يحبها ( خولة)، مئات الصور تواردت إلى ذهنه، وفي كل صورة منها يظهر بدر وهو يشع والأضواء حوله تخفت وتخفت حتى يصير وحيدا ً في العدم، بقعة ضوء في قفار العالم الموحشة. ترك فقدان الأخ والصديق أثره في نفسية سعد، فانعزل عن محيطه الخارجي، واستورف ظل مكتبته ولجأ إلى بطون الكتب يبثها حزنه وهمه، جعل يقلب في تاريخ الأمم، ويقرأ في وفيات الأعيان، يقلب آلاف الصفحات ليجد أسماء وتواريخ وفاة هي كل ما تبقى من أمم غبرت الدنيا وملأت ما بين الخافين ثم عادت إلى التراب وفنت فيه إلى أن يبعثها ربها جل في علاه. شكل ذلك اليوم علامة فارقة في حياة سعد، لأنه قرر فيه أن لا يعلق قلبه بإنسان فان ٍ، وخصوصا ً أن هذه المصيبة جاءت امتدادا ً لأزمة عاطفية عصفت بقلبه في مراهقته. مضى سعد في حياته غريبا ً أو كالغريب، ووفرت له عزلته ساعات يومه ليقرأ ويتقلب بين آلاف الصفحات، وكان صمته الحسي يقابل بانفجار كتابي يملأ صفحات كثيرة يلقيها عندما ينتهي في درجه ويقفل عليها ضنا ً بمشاعره على أي أحد حتى أخته نوال التي كان يحبها بعنف آلامه وبقوة الضغوط التي تعصف به. نوال التي تقترب في هذه الأيام من الثامنة عشرة، وتتفتح كوردة بيجونيا على حافة مرج، كانت قد اكتسبت جمال أمها وبياض بشرتها وعينيها وأنف أبيها، ودلال وخفة آخر العنقود، كانت المفضلة عند أبيها وعند سعد وحتى عند بعض أخوتها من المعسكر الآخر. نشأت نوال على محبة أخيها منذ كان يروي لها الحكايا في ليالي رمضان قبل أن تنام وهي محاطة بعرائسها، ومنذ كان يحضر لها حلوى العيد التي يملأ بها جيوبه ثم يفرغها بين يديها، محتفظا ً لنفسه بحلوى الكارميل فقط، وحتى عندما كبرا حفظت له الحب في قلبها رغم جنوحه إلى العزلة وانشغاله بنفسه. كانت تقنع منه بنظرة في اليوم عندما يقوم بتوصيلها إلى مدرستها، وبكلمة الشكر التي يلقيها بعجل عندما تحمل له في تلك العصاري الحارة كأس الشاي الذي يحبه من يدها، وهو متكئ على الجدار الأجرد وقد ألقى برأسه على يده وهو يقلب ناظريه في الكتب الملقاة حوله. كان خجلها يمنعها من أن تسأله عن سعد الذي كان يحملها بين يديه يوما ً ويركض في فناء المنزل وأنفاسها تتقطع من الضحك، عن سعد الذي يكبل يديها بيده بينما يعابث أنفها بريشة فتصرخ وتحرك أنفها وهو يضحك ويتقي رفسات قدميها، عن سعد الذي كان ينتظرها عند باب مدرستها الابتدائية ليحمل عنها حقيبتها ويمضي بها إلى البيت وهي لا تنفك عن الثرثرة، أين ذهب؟ وما الذي حل به؟ تخفف سعد قليلا ً من مسوح العزلة التي توشحها عندما تعرف في الجامعة على شاب قادم من الجنوب، شاب خفيف الظل ومتحمس دوما ً يدعى عائض، وكان لتعارفهما قصة طريفة. كان سعد يومها قد نهض من الفراش متأخرا ً، وبهلع أدرك أنه تأخر عن اختبار قد أمضى أياما ً في الاستعداد له، فأنطلق كظبي في إثره وشق، وعندما وصل مواقف الكلية كان الاختبار قد بدأ منذ عشر دقائق فأوقف سيارته كيفما اتفق، وأنطلق ليؤدي امتحانه وعندما عاد لسيارته بعدها بساعتين وجد شابا ً طويلا ً أسمر وله لحية تكلل وجهه وتبعث على الارتياح، يتكئ على سيارة ( هايلوكس) ذات طراز قديم، قد سدت سيارته عليها طريق الخروج، احمر وجه سعد حرجا ً فيما بادره الشاب: - ما تخاف الله... ساد علي الطريق؟ ذلحينه لي ساعة وأنا موقف هنا. - آسف... أعذرني والله ما انتبهت، كنت مستعجل أبي ألحق الامتحان و... - يا ذي البلية... إنتى بتقص علي قصة حياتك؟ هيا ابعد السيارة من دربنا، خلينا نروح نشوف شغلنا. - لا حول ولا قوة إلا بالله، ابشر... ابشر. وأبعد سعد سيارته وهو يلوح بيده معتذرا ً، ولكن الشاب انطلق بدون أن يرد، تاركا ً سعد يلهبه الخجل ويمِرهُ الحرج. رآه بعدها بأيام جالسا ً في بوفية الكلية وبين يديه أوراق يقلبها، فاهتبل سعد الفرصة وقصد البائع واشترى كوبين من الشاي، ومضى إلى طاولته ليضع أحدهما أمام الشاب فيما احتوى الآخر بين كفيه وجلس على الكرسي المقابل وهو يقول: - سلام عليكم، عسى ما قطعتك عن شيء؟ - اعقب ذا أنته؟ ما كفتك المرة الأولة؟ ضحك سعد وقال وهو يضع الكوب على الطاولة: - رد السلام أول وبعدين عاتب. - وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. - ما تعرفنا على الاسم الكريم؟ - عائض. - والنعم فيك أخوي عائض، معك سعد... وصدقني يا أخوي أني ندمان على اللي صار، وأتمنى أنك تسامحني. - الله يحللك، مع إني وقفت في عز الحر ساعة كاملة. وجر هذا اللقاء إلى لقاءت أخرى، ووطدت الأيام صداقتهما، حيث تعرف سعد على هذا الإنسان الطيب والبسيط، حدثه عائض بلهجته المميزة عن بيتهم الذي يحتل قمة أحد جبال تهامة، حدثه عن أهله وأخوته وعن قريتهم، وأنشده بعض القصائد الجنوبية التي تردد في الأفراح بتنغيم ينفرد فيه أهل الجنوب. كان عائض شاعرا ً عاميا ً مبرزا ً، واشتهر بمشاركاته الشعرية و النثرية في أحد منتديات الانترنت، وكان يحاول إشراك سعد في هذا المنتدى ولكن سعد كان يؤجل ويسوف ويعتذر بالإنشغال وعدم وجود مادة صالحة للنشر. حتى قرر عائض ذات يوم أن يؤسس منتدى ً خاصا ً به، وطلب من سعد مساعدته، وتولي الإشراف على قسم القصص والروايات في المنتدى، رفض سعد في البداية وعرض المساعدة في التصميم فقط، قبل عائض هذا العرض مؤقتا ً، فقام سعد بتصميم الواجهة بمساعدة أخته نوال التي كانت إضافة إلى ذوقها الجميل تحمل شهادة قد في التصميم حصلت عليها من أحد المعاهد، وكانت النتيجة تصميم مزج بين رقة نوال ولمساتها الرفيعة وكلمات سعد التي صارت شعارا ً على صدر المنتدى ( أيها الداخلون هنا، دعوا لنا بعضا ً من حكاياكم، أليست حيواتنا حكايات يرددها الآخرون). عندما أطمأن عائض إلى تصميم المنتدى عاد للإلحاح على سعد بتولي الإشراف، وكان يردد وهو يمسك ذقن سعد ( طالب ذا اللحية الغانمة، ما تردني خايب) وسعد يضحك وهو يقول ( يا ربيه... والله يا أنت نشبة، يا أخي تراي منب مناسب، شف غيري)، ولكن عائض يعود من جديد حتى رضخ سعد أخيرا ً وقبل المنصب. خرج سعد من عزلته قليلا ً، بدأ يتحدث مع الأعضاء، يرد على مشاركاتهم، يكتب في المنتدى آرائه النقدية، ونتائج دراساته اللغوية التي يخرج بها من قراءاته حتى جاء اليوم الذي بدأ فيه بكتابة قصص قصيرة. خرجت القصص التي كتبها سعد عن إطار المعتاد، حيث اعتمد على أساليب ومواضيع لم يدرج عليه القراء ولم يتعودوها، وساعدته الخبرة التي تحصل عليها من القراءة لكبار كتاب القصة في العالم مثل ( تشيكوف، جي دي موباسان، ارنست هيمنجواي وغيرهم) في ذلك، ومع تتالي القصص حاز سعد جمهور لا بأس به، حتى صار يتلقى دعوات من أدباء خارج وداخل المنتدى بعضهم أصدقاء لعائض لحضور اجتماعاتهم التي تناقش الشأن الأدبي و التي كانت تعقد دوريا ً، ولكن سعد كان يتعلل بشتى العلل حتى يتجنب الحضور. لم تكن رغبته في العزلة وليدة خجل أو عدم ثقة بالنفس كما ظن البعض، بالعكس كانت نتاج ثقة زائدة بالنفس، وزهد في التعرف على الناس ومخالطتهم، كان يرى الشباب حوله في الجامعة وفي الحارة بقلوب وعقول فارغة، لا تتعدى اهتماماتهم الكرة والسيارات، وأوقاتهم ضائعة بين الأسواق والطرقات، يبحثون عن شيء مفقود، كان سعد متأكدا ً أنهم لن يجدوه يوما ً. فلذلك كان يرى أن الساعة التي يقضيها في غرفته وفي أحضان أوراقه خير من الساعات التي يقضيها مع عقول خاوية وألسن موبوئة بألفاظ رديئة، أو في نقاشات لا طائل ورائها. ثم جاءت الخطوة الثانية عندما فكر سعد في تطوير المنتدى، جاءت فكرة الرواية الجماعية في ذهنه، فنازعها في البداية ونبذها أياما ً بحجة أنها ستنتزعه من عزلته المريحة وأنها تخالف طبيعته، حتى تغلب هواه على عقله وقرر قراره على إنفاذها. كان هناك شاب يكتب في المنتدى وكان سعد معجبا ً باختياره للأفكار وأسلوبه في السرد وإن كان يعيب عليه لغته المتواضعة المغرقة في العامية، كان هذا الشاب يحمل معرف ( الليل)، اتصل به سعد عن طريق المسينجر وطرح الفكرة عليه، تحمس لها الشاب وأصبح العضو الثاني، ثم بدأت رحلة البحث عن العضو الثالث، اهتدى سعد بعد طول متابعة إلى كاتبة ذات لغة جميلة وشعرية رغم قلة مشاركاتها تدعى ( مجروحة بأهدابي)، وأرسل لها فكرة المشروع وخطة تطبيقه المتوقعة وانتظر أياما ً حتى جاءته الموافقة، تبقى مكان لعضوين آخرين وبدأ سعد يبحث من جديد. كان هذا عندما جاء اليوم الذي وجد فيه في بريده رسالة قصيرة، فتحها ليطالعه اسم غريب ( ضوء في آخر النفق)، نظر إلى عداد المشاركات وإلى تاريخ التسجيل، ليجد أنه مشترك حديث، قرأ الرسالة ببطء أعجبته أولا ً اللغة السليمة التي لم يتعود مثلها من المشاركين الجدد الذين يأتون بلغتهم اليومية معهم، كما جاء الكلام الذي تضمنته الرسالة ليلامس نرجسية خفية بدأت ترتع في روحه. قال سعد لنفسه " هذا كاتب يقول لي " لكم وددت أن أكون بطلا ً من أبطالك، أسير على هدي حروفك، وعندما انتهيت وقفت وتمنيت أن أعرفك، أن أحدثك، أن يسمح قلبك الذي صاغ حرفك بي كتلميذ لقلمك"، كل هذا قاله شخص لم يعرفني يوما ً، لم يلتقي بي لحظة، فقط هي حروفي التي أسكرته، جعلته يختط الحرف، يزن الكلمات، يتمنى الأماني، وإن من البيان لسحرا". تردد سعد قبل أن يرد على الرسالة، فكر بأن يرد ردا ً لطيفا ً يتخلص به من صاحب الرسالة ويتسق به مع رغبته في عدم مخالطة الناس، ولكنه فكر ترى ما الضير لو تحدثت معه قليلا ً؟ إن أعجبني وإلا تخلصت منه، لست ملزما ً بشيء. وهذا ما كان كما مر بنا، وتسارعت الأحداث حتى وصل سعد إلى دعوة حمد إلى اللقاء به في الشرقية، قد يستغرب كثير من الذين عاشروا سعد هذا التصرف الذي يخالف شخصيته، حتى سعد نفسه كان يتساءل " هل كان قرارا ً سليما ً؟". اندفاع سعد ودعوته لحمد يمكن تفسيرها عندما ننظر إلى الثقة المتنامية عند سعد، فسعد الذي انطوى مدة طويلة على نفسه يبنيها من الداخل، وجد عندما انفتح قليلا ً على الآخرين كل ترحيب وإعجاب، وجده عند رواد المنتدى وعند القراء وحتى عند بعض زملائه الذين تابعوا كتاباته، كل هذا دفعه إلى الثقة بنفسه، ثم جاءت رسالة حمد لترفعه إلى عنان السماء أستاذا ً ومعلما ً، فهل يحق لنا بعد هذا أن نتساءل ما الذي غير سعد؟ سعد مثل أي انسان عندما يسكره العُجّب حتى يثمل فيجيء قراره كروأى الثمل يراها حقا ً حتى يفيق، والآن وهو متجه إلى مجمع الراشد في سيارته ( الماكسيما البيضاء) ليلتقي بهذا الشاب الذي رضي أن يقطع أكثر من 400 كيل كي يلقاه، كان يفكر بأنه كان قرارا ً حكيما ً. - وصل إلى المواقف متأخرا ً قليلا ً، رأى الشيروكي الخضراء تقف في طرف قصي، دفع سيارته نحوها وتقدم ببطء. ؛ / شو صار بين حمد وسعد لما تقابلوا كيف كل واحد توقع شكل الثاني بتعرفوا اليوم ان الله راد .. كونوا بخير / / صوت الحق سارا
__________________ .... بحبكم كتير الله لا يحرمني منكم :) .... |
| | |
| | #19 (permalink) |
| مشرفة واحة الشعر والقصص ![]() ![]() تاريخ التسجيل: Jun 2007 الدولة: ذات منفـــــى
المشاركات: 6,683
![]() | ؛ / هلا هلا والله ملاك وطن يسعدلي صباحك ياخوي ههههههههه ولا يهمك اقراها على مهلك وانا بانتظار رايك شكراً لحضورك وطيب كلامك كون بخير / / صوت الحق سارا
__________________ .... بحبكم كتير الله لا يحرمني منكم :) .... |
| | |
| | #20 (permalink) |
| كـــافـــي عـــــذاب ![]() تاريخ التسجيل: Nov 2004 الدولة: بين صفحات الزمن العمر: 24
المشاركات: 3,167
![]() | وجهة نظرك على عينى وراسى سارا اتمنالك كل التوفيق النورس الحزين
__________________ أُمــــي ... أحبك أحبك أحبك ربى أجعل لها قصرا بجنتك ورحمها وغفر لها ولى ذنوبنا وقنا عذاب نارك اللهم آميـــــن |
| | |
| | #23 (permalink) |
| مشرفة واحة الشعر والقصص ![]() ![]() تاريخ التسجيل: Jun 2007 الدولة: ذات منفـــــى
المشاركات: 6,683
![]() | ؛/ أماني العفووو حبيبتي والله يسلمك ويخليك ولا يحرمني من طيب مرورك ومتابعتك.. ودي ومحبتي كوني بخير ؛ / صوت الحق سارا
__________________ .... بحبكم كتير الله لا يحرمني منكم :) .... |
| | |
| | #24 (permalink) |
| مشرفة واحة الشعر والقصص ![]() ![]() تاريخ التسجيل: Jun 2007 الدولة: ذات منفـــــى
المشاركات: 6,683
![]() | ؛ / هلا وسهلا بالغالين وصلنا عند الجزء الثامن عندما قرر سعد مقابلة حمد ماذا حصل عندما تقابلا وكيف تصور كل منهم مظهر الثاني وشكله سنعرف هذا كله في الجزء التاسع الآن // الجزء التاسع // من طرف خفي وهو مسترخي على مقعد ( الماكسيما)، جعل حمد يتأمل بشرة سعد البيضاء، جسده الناحل، شعره الثائر، وغمازات خديه الأنثوية عندما يضحك، التفت سعد وابتسم لنظرات حمد: - وش فيك تطالعني؟ مستغرب شكلي؟ - هاه؟ لا... لا ( قالها بحرج وحول وجهه إلى الطريق المحصور بمباني حديثة). - بصراحة... كيف كنت متخيلني؟ - هههه، كنت متخيلك سمين... ولك لحية خفيفة ( عوارض). - ههههههه، أنا كنت متخيلك طويل، ونحيف جدا ً وأسمر. - طلعت أنت أنحف مني وأطول. توقف سعد عند مسجد حديث البناء، ذو طراز شامي، له مئذنتان سامقتان على جانبيه، فرت قطة صغيرة كانت تعابث بقايا أرز يابس منثور على الأرض عندما ترجلا، قصد سعد المسجد فيما انحرف حمد إلى دورات المياه ليتوضأ. غسل حمد وجهه وأطرافه بقوة بالماء الفاتر، تاركا ً اضطرابه يحط مع قطرات الماء التي صارت أثرا ً لدربه عندما قصد المسجد، وعندما دخل لسعت برودة الرخام باطن قدميه وأورثته شعورا ً محببا ً. * * * كان سعد قد وصل متأخرا ً قليلا ً إلى حيث وقف حمد، واندفع من سيارته ليصافح الشاب ذو البنية الجيدة والوجه المنتظم الملامح وإن بدا تحت خطوط تعب، وبعد نهاية السلام والمجاملات البسيطة قاد حمد سيارته إلى ظل ناء حيث أوقفها بعيدا ً عن وطأة الشمس، ثم ترجل ليرافق صاحبه، وكل منهما يتأمل ملامح الآخر من طرف خفي. قال سعد والحصى الأبيض يصر تحت أقدامهما بعدما قضيت الصلاة: - الواحد يفكر في أشياء كثيرة يبي يقولها ولكن عندما يأتي الوقت تطير كلها، ويعجز يلقى موضوع يتكلم فيه. - ههههه، صحيح والله. - طيب يا سيدي، خلنا نتفق على برنامجنا اليوم، الآن نروح البيت... الوالدة مسوية لنا غداء على شرفك، راح نتغدى احنا الاثنين فقط لأن الوالد متزوج اثنتين ويتغدى اليوم عند زوجته الأولى، وبعد العصر لما تخف الشمس نطلع البحر، يناسبك كذا؟ - توكل على الله. - ممتاز، وعشان نتعرف على بعض أكثر، أنا سعد عبد الرحمن ال...... وعمري 22 سنة مثل ما قلت لك قبل، أدرس في كلية الملك فهد للبترول والمعادن. - حمد علي ال.....، عمري 19 سنة وداخل على العشرين، وأدرس بجامعة الملك سعود. - ونعم فيك أخوي حمد، والساعة المباركة اللي شرفتنا فيها. دارت بينهما أحاديث مجاملة خفيفة، عن الجو والطريق، حتى أوقف سعد السيارة أمام منزل أبيض، كانت تبرز خلف سوره نخلة يتيمة، وتتوقف أمام بابه سيارة نقل قديمة، عبرا ممرا ً ضيقا ً مرصوفا ً بحجارة ذات لون رملي، تحف به حديقتان صغيرتان تنتصب في إحداهما النخلة اليتيمة، فيما يزين الثانية سقف خشبي تغطيه النباتات المتسلقة ويستقر تحته كرسيان مريحان ذوي بطانة جيدة. هاجمت رائحة العشب المبلول أنف حمد قبل أن يدعوه سعد بكلمات مرحبة للدخول إلى مجلس يحوي أرائك عصرية ذات لون فاتح مريح، وحطت على المنضدة الزجاجية التي توسطته، دلة عربية ذات لون ذهبي أحاطت بها فناجين و تمور شهية تزهو في أوانيها. أحس حمد بالراحة وهو يغوص في الأريكة، ويد سعد تناوله قهوة ذات رائحة قوية ذكرته بقهوة أمه، رشف من الفنجان فيما الأبخرة تتسلل إلى أنفه، استأذن سعد وغادر إلى داخل البيت. قلب حمد عينيه معجبا ً بنظافة البيت وتصميمه الجميل وأثاثه الأنيق، والصمت الذي يلفه، وتذكر حرجه عندما كان أصدقائه يزورونه في منزله ويسمعون زعيق أخته لمى، أو المشاجرات الدائمة بين عبير وسعد، تنهد وقال لنفسه " لا عجب أن تهيأت لك الفرصة للإبداع يا سعد، بيئة هادئة كهذه تصنع الإبداع". عاد سعد مبتسما ً، وجذب الدلة إلى مكان قريب من حمد ليتسنى لهما الجلوس متقاربين وجلس وهو يقول: - ما قلت لي يا حمد ما أنت مستغرب من التآلف السريع اللي صار بيننا؟؟؟ - بصراحة سألت نفسي في الطريق، معرفتنا كانت قصيرة جدا ً، وكانت شجاعة منك اقتراح هذه الخطوة على إنسان ما تعرفه. - الشجاعة كانت شجاعتك اللي قطعت المسافة هذي كلها. - الله يخليك. - وكيف الكتابة معك؟ ما بدأت بالفصل الثاني؟ - حرام عليك، أنا ما بعد رديت على قراء الفصل الأول. - ههههه، طيب فيه فكرة واضحة للفصول القادمة في بالك. - يعني... أفكر الفصل القادم يكون عن حياة العصابة في البر وعملياتهم، والفصل اللي بعده أخلي أحد أفراد العصابة ينقتل بحيث يكون مفتاح للأحداث. - تبي نصيحتي؟ - أيوه. - قدم مقتل عضو العصابة إلى الفصل الثاني، وخل وصفك لحادثة القتل يجي بكلمات حازمة وقاطعة وبدون لعب على العواطف أو استدرار لها. - ما فهمت... كيف بكلمات حازمة؟ - أصب لك قهوة ( ومد سعد يده فناوله حمد الفنجال فملأه وأعاده إليه ثم أردف قائلا ً)، لنفترض الآن أن المقتول بيكون جهز، زين؟ تكتب مثلا ً واصفا ً المشهد " كان الدم يختلط بذرات الرمل فتتماسك، قال طراد وهو يشير إلى أذنه (لقد عبرت الرصاصة من هنا) جذبت الشعر المشعث الطويل لجهز ورأيت الجرح في أسفل الجمجمة والذي كان يثعب دما ً وبخارا ً". - أف... أف... حرام عليك، وش الوصف المروع هذا، المنتدى فيه بنات يا أخي؟ - هههههههه، وش عليك من البنات؟ أنت جالس تكتب رواية وإلا جالس تسولف على أخواتك؟ الرواية روايتك يا أخي، وأنت توصف براحتك ما دمت في حدود الأدب والأخلاق والدين، لا تضع قيود ما لها داعي، وإلا بتكتب على لسان نزال " آه... لقد مات جهز يا لحزني وألمي، كيف سأعيش بعدك يا جهز؟ لقد كنت نعم الحرامي ونعم قاطع الطريق" ولملمت أشتات قلبي الممزق و أهويت بيدي على فمي ون..... وتوقف سعد على ضحكات حمد الذي وضع يده على بطنه وهو يهتز وقد لمعت عيناه، وضحك وهو يكمل: - والله... من جد، لازم تكتب بدون ما تفكر بالآخرين، عندما تكتب كن نفسك، وإلا الناتج راح يكون كتابة ماسخة بلا عمق ولا صدق. - لكن الكاتب يكتب للقراء، فلابد يراعي رغباتهم. - لو كل الكتاب قالوا هذا الكلام لما تحركنا خطوة واحدة، الكاتب ليس المرآة التي تعكس رغبات القراء، الكاتب هو صانع المرآة التي يرى فيها القراء أنفسهم. - هذا تحجيم لدور القارئ. - بالعكس أنا أرى إشراك القارئ في الرواية ولكن ذلك يأتي بعد نهاية الرواية ونهاية النص، وهو ما يعرف بالنقد، أما إشراك القارئ قبل ذلك فهذا تدخل. - هذا ممكن في الروايات المطبوعة، ولكن الواقع على الانترنت إنك تنشر الرواية فصل... فصل، والقارئ قد يقترح بعض الأشياء أو يتدخل في النص. - يتدخل كنقد أو تصحيح خطأ، أما في الفكرة أو طلب تعديلات على الأحداث فعندها لا تكون رواية، ولا تعبر عن شخصية الكاتب. - معك... طيب نرجع لموضوعنا، ما قلت لي ليه أقتل أحد أفراد الرواية من الفصل الثاني؟ أليست خطوة مستعجلة؟ - بالعكس خطوة في مكانها، وأيضا ً بترفع مستوى الأحداث. - صحيح، طيب بفكر بالموضوع. - أكتب الفصل بشكل احترافي، وأنا برسل الرابط للجماعة، وبإذن مكانك محجوز بيننا. - يصير خير... إلا روايتك أنت كيف حالها؟ - تقريبا ً أنهيت الفصل السادس، والآن أراجعه. - روايتك تحتاج نفس طويل، لكنها رائعة جدا ً، وتدفع القارئ إلى مشاعر لم يجربها من قبل. - روايتي هذه بالنسبة لي مجرد تجربة، أجرب فيها مجموعة من أدواتي الكتابية، وأبدل فيها بين الأساليب الأدبية، أما مشروعي الروائي الذي أدعوه بحق رواية فهو الآن مجرد فكرة في رأسي. - حرام عليك... أنها أعتبرها من أجمل قصص الحب اللي قرأتها. - قلتها بلسانك، قصة حب، لا أكثر ولا أقل. - طيب... وين المشكلة؟ كل الكتاب يكتبون قصص حب. - رجعنا للكتاب والقراء؟ أنا هو أنا، لا يهمني أن فلان كتب قصة حب أو أن القارئ الفلاني يهمه هذا النوع، أنا أكتب عن الحب لأسباب خاصة قد تعرفها يوما ً. - أنا أشوف أن محاولة التميز في كل شيء متعبة، أنت متميز في الطرح، متميز في اللغة، متميز في أشياء كثيرة، فلا أظن تقليدية الموضوع تؤثر في هذا. - المواضيع غير المطروقة بالآلاف فليش أحصر نفسي في مواضيع مكررة؟ - قد يكون الموضوع مكرر، ولكن طريقتك في الطرح متميزة ومختلفة. - ولكن تظ..... وقطع حديثه رنة واحدة من جواله، فنهض على إثرها مستأذنا ً، ثم عاد بعد دقيقة وهو يقول: - تفضل يا حمد الغداء جاهز. نهض حمد وقاده سعد إلى المغاسل التي كانت مرآتها الضخمة تلمع بالنظافة والعناية، وتتناثر أنواع الصابون ما بين سائل وصلب، والعطور وأعواد الأسنان بين الأحواض الثلاثة، غسلا يديهما، ثم جففاها بمنديل ورقي ملفوف حول عمود من الخشب ذو قاعدة سميكة، ثم ولجا غرفة جانبية صغيرة. كانت هناك سفرة مربعة تتوسط الغرفة تناثرت عليها أطباق الفواكه والسلطة والمرق وعلب المشروبات الغازية وتوسطها صحن كبير من الأرز الأبيض، وبجانبه استقر صحنان في أحدهما سمكة كاملة وفي الآخر قطع دجاج مقلية. استطاب حمد مذاق الطعام وتنوع ألوانه فأصاب منه فوق عادته، وكانا يقطعان انشغالهما بأحاديث خفيفة، أو ضحكات متقطعة على مزاح سعد وتعليقاته. عندما فرغا قاد سعد حمد إلى غرفة أخرى، تجاوزا للوصول إليها بابا ً ثم رواقا ً قصيرا ً، كانت صغيرة قياسا ً بالأولى، وتحتل أحد جدرانها مكتبة تزدهي بألوان مختلفة من الأغلفة، وتتراص العناوين فيها كمدرجات أستاد رياضي غداة مباراة نهائية، خطرت في بال حمد مكتبة أبيه الضخمة، كانت أكبر وأكثر تنوعا ً. أشار سعد إلى مقعدين استقرا أمام مكتب صغير وهو يقول: - استرح... لحظات بجيب الشاي. وغادر الغرفة، أدار حمد عينيه في العناوين، ميز بعض الكتب التي يعرفها، وبعض التي سمع عنها، " حقا ً... كيف لا يبدع من يمتلك هذه البيئة وهذه التجهيزات" قال لنفسه. عاد سعد بعد لحظات يحمل الشاي، واحتل المقعد المقابل له وهو يقول: - أيوه يا سيدي، وين كنا؟ - ما أذكر... تكلمنا في عدة مواضيع. - ما عليه، عموما ً أنا تكلمت كثير، وأتمنى أن الموضوع هالمرة يكون منك. - طيب... أنا بسألك سؤال عندما قرأت قصتك لأول مرة، أحسست أنك تخاطب القارئ مباشرة، تصل إلى قلبه بسهولة، أتمنى أن أعرف كيف تستطيع فعل ذلك؟ - بكل بساطة، لأني عندما أكتب لا أحاول توجيه القارئ، أنا أضع أمامه الحقائق كما هي بدون زخرفة أو تخفيف من حدتها، وعليه هو أن يستخرج منها العظة والعبرة، أنا أترك له حرية التفكير عندما أكتب نصي، بعكس الكتاب الآخرين الذين يفسدون القصص بسرد آرائهم في الحياة في ثنايا الحوار. ونهض واتجه إلى أحد الرفوف في المكتبة، وانتزع أحد الروايات وقلب صفحاتها قليلا ً ثم قال: - اسمع ماذا يقول الكاتب هنا " ... كأن حياتي أصبحت دربا ً لكل مار، يأتون بوجوههم وشعورهم المشعثة ليلقوا في وجهي أحاديثهم ونقودهم المتسخة، ما أصعب الحياة عندما تحشر الكلمات في الأذن و ..."، ما رأيك في هذا النص؟ وما هي الشخصية التي تتوقع أن الكاتب أجرى مثل هذا الكلام غير النمطي على لسانها؟ - إذا كنت تقصد اللغة فهي جيدة، أما الفكرة فلا أستطيع الحكم عليها من هذا السطر المنتزع من الرواية. - أترك الفكرة، أقصد الألفاظ والفلسفة التي يتحدث بها هذا البطل، أمامك خيارات لتحديد مستوى بطل القصة العلمي، دكتور جامعي، طبيب، أو مهندس؟ - ما أدري؟ لكن الكلام يدل على شخصية قوية وساخطة على المجتمع، يمكن يكون طبيب؟ - لا... حلاق. - لا... لا... معقولة؟ حلاق؟ ههههههههه، وين حلاق يتكلم بهالكلام؟ - لا تسألني... اسأل الكاتب العبقري، عموما ً... نسبة كبيرة من الكتاب يضعون آرائهم في الحياة وفلسفتهم على لسان البطل حتى لو كانت شخصية البطل لا تحتمل الفلسفة، أو لا تناسب سياقها التاريخي في السرد، الكل يقع في هذا الخطأ. - طيب يا سعد... لا تزعل مني، ولكن أنت في روايتك جعلت الشاب خالد يتكلم لغة أقوى من السياق التاريخي له. - لا... لا... لو أعدت قراءة روايتي، لوجدت أن الكلام الذي يقوله خالد في الحوارات لا يخرج عن السياق الذي نشأ فيه، أي أن قوة خالد تكون عندما يكتب، وهذه القوة تدل على الجهد الذي يبذله في نحت الكلمات لتزهو بحبيبته، فهمت قصدي؟ - ولو... تظل اللغة أقوى من السياق التاريخي المفترض لخالد. - طيب... يا سيدي ممكن أكون وقعت في الخطأ الذي أحذر منه الآخرين، ولكن الخطأ يظل خطئا ً. - طيب... أتركنا من الموضوع هذا، خل نتحدث في مواضيع غير هذي. وبدأ الاثنان يخوضان في مواضيع شتى تتناول جوانب أخرى، ومضى الوقت وهما يتحدثان، ثم عرض سعد بعض الكتب على حمد والتي سوف تحسن من لغته وأسلوبه الكتابي، وظلا هكذا حتى أرتفع أذان العصر. قصدا المسجد القريب والذي يقع في الشارع الخلفي لبيت سعد، أقيمت الصلاة وصفا للصلاة وقد تحاذت مناكبهما، وبدأ حمد محاولاته الدائبة في الخشوع وطرد الهواجس والخيالات. وفي الركعة الثالثة أحس حمد بقلبه يدق كساعة جدارية التقت عقاربها، وتشتت خشوعه عندما هتك صوت رنين جوال هدوء وسكون المسجد، كان جواله هو، ولكن من المتصل؟ من؟ وانثالت الهواجس على حمد كسيل عرم. ؛ / ؛
__________________ .... بحبكم كتير الله لا يحرمني منكم :) .... |
| | |
| | #25 (permalink) |
| مشرفة واحة الشعر والقصص ![]() ![]() تاريخ التسجيل: Jun 2007 الدولة: ذات منفـــــى
المشاركات: 6,683
![]() | ؛ / الجزء العاشر// ظل رنين الجوال يتردد في المسجد الساكن، حتى بدأ بعض المصلين بالتنحنح عندما طال وصدهم عن الخشوع، فامتدت يد حمد المرتبكة وأغلقته. " هل هذا أبي؟ لا... ربما أمي؟ لا... لا إن شاء الله، يمكن أحد الشباب، أو يمكن واحد غلطان، طيب... لو صار أبوي، مصيبة... يمكن يطلب مني الحضور إلى المنزل لسبب ما، يمكن يكون جدي جاء للرياض مثلا ً، ويبي يشوفني ويسلم علي قبل رحيله المتعجل كعادته، سبحان الله... هكذا بلا موعد ولا ترتيبات، يأتي ومطلوب منا أن نأتي لو من آخر الدنيا عشانه، ولكن لا... لا... مستحيل جدي يجي في مثل هذا الوقت من السنة، أكيد أمي، ولكن ماذا تريد؟ هي لا تتصل عندما أكون في البر، ربما هي هيلة، نعم... نعم... هيلة، هي التي دأبت مؤخرا ً على الاتصال بي من وقت إلى آخر وخصوصا ً بعدما شاهدت برنامجا ً سخيفا ً عن العلاقات بين الإخوان وتقويتها، أف... هذا وقت علاقات، الله يصبرنا على تقليعات البنات بس، يوم يوجعن رؤوسنا بطلباتهن ومشاويرهن، ويوم ثاني يقرأن مجلة وإلا يشوفن برنامج وينزل عليهن الحنان من السماء السابعة، ويبدأن بالتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا، أف... طيب... آآآآ... المفروض ما أستعجل يمكن واحد غلطان، يمكن العجوز اللي تتصل علي من فترة تسأل عن ( أم فالح).... " ( السلام عليكم و رحمة الله... السلام عليكم ورحمة الله) قطع الإمام عليه هواجسه، فقام ليكمل ما فاته ثم تنبه عندما استوى واقفا ً إلى أنه لم يفته شيء، وأنه الوحيد القائم في الصف الأول، فعاد للجلوس وسلم وقد احمر وجهه من الحرج. التفت إليه سعد مستغربا ً وعلى شفتيه ضحكة خبيثة يداريها، فهب حمد حتى من دون أن يأتي بالأوراد، وخرج من المسجد مسرعا ً، وسحب الجوال من جيبه، كانت شاشة الجوال فارغة، هذا معناه أنه قطع المكالمة في وجه المتصل، ارتجفت أصابعه وهو يقصد ( سجل المكالمات) ثم ( المكالمات المستلمة)، وانتظر ثانية قبل أن يظهر اسم مروان كآخر متصل. انفجر حمد حنقا ً " الله يغث هالعلة... وش يبي هالدب؟" ثم ضغط على زر الاتصال، وعندما جاءه صوت مروان على خلفية هواء وضحك، قال حمد بغل ومن بين أسنانه: - نعم؟ - السلام عليكم... هلا حمد. - وعليكم السلام... نعم؟ وش تبي؟ - آلو... ما أسمعك... أرفع صوتك. زعق حمد بشكل جذب انتباه بعض الذين خرجوا من المسجد: - وعليكم السلام... وش تبي؟ - ايه... اسمعك الحين، كيف الحال؟ جذب حمد نفسا ً عميقا ً ليهدأ أعصابه المفلتة، ثم قال ببطء وهو يسيطر على توتره: - هلا مروان... بخير، الحمد لله. - أقول... ما أبي أزعجك، بس اليوم أنت تركتنا متعجل وكنت على غير طبيعتك، فقلت أتصل أتطمن عليك. - الله يجزاك خير... لا الحمد لله الأمور تمام، وبجي لكم الليلة إن شاء الله. - ننتظرك على العشاء؟ - لا... لا... بتأخر عليكم، تعشوا أنتم، بالعافية. - الله يعافيك، أجل ما أطول عليك، مع السلامة. - مع السلامة. والتفت حمد ليجد عيون سعد المتسائلة خلفه، وخصوصا ً بعد خروجه المتعجل، وتصرفاته الغريبة، فقال وهو يبتسم بارتباك: - اتصال غريب، وفي غير موعده. - ههههههه، وش هالإتصال اللي يخليك تخبط في صلاتك، وتطلع من المسجد ركض. ضحك حمد بحرج ولم يحر جوابا ً، فتجاوز سعد الموقف وعادا إلى المنزل. * * * خرجا إلى البحر عندما خفت الشمس، كان الشاطئ ممتلئ بالناس، أوقف سعد سيارته ونزلا وجعلا يمشيان والهواء يعابث ثيابهم، كان العد التنازلي للرحيل قد بدأت دقاته داخل عقل حمد، والطريق إلى الرياض يرتسم الآن في مخيلته، وسعد يحدثه في أمور شتى، ولكن حمد الآن بعدما رأى سعد وجلس معه، لم يعد يرغب سوى بالعودة قبل اكتشاف أمره. جذبه سعد إلى مكان خال ٍ على الشاطئ، واقتربا من الموج الهادر حتى كاد يقتحم أرجلهما، ووقفا هناك يتأملان الأفق والمراكب الصغيرة المنتشرة أمامهم، قال سعد وهو يعب من الهواء: - لا أجمل من البحر عند أهل السواحل، له تأثير يماثل تأثير البر لدى أهل نجد. - صحيح... البر بحر نجد. * * * كان العصر قد انتصف عندما أوقف سعد سيارته بجانب سيارة حمد، ونزل يودعه، وضع يده في يده واحتفظ بها قليلا ً وهو يقول وقد وضع عينيه في عيني حمد: - تشرفت بمعرفتك، وأشكر لك هذه الزيارة الجميلة، رغم قصرها، وسأزورك في الرياض قريبا ً إن شاء الله. - أهلا ً وسهلا ً بك في أي وقت، وهذي الساعة المباركة. - في أمان الله وتوصل بالسلامة. - الله يسلمك. وانطلق حمد، وكما قطع الطريق إلى الخبر وهو غارق في الهواجس، عاد أيضا ً وهو يطفح فيها، ولكنها كانت هواجس من نوع آخر، كان سعد يحتل تفكيره، لقد رآه، جالسه، تحدث معه، ولكنه لم يتعرف عليه حتى الآن، يريد أن يعرف أكثر، كل ما عرفه عن سعد مجرد مجموعة آراء أدبية، وشذرات غير ذات أهمية من حياته، يريد أن يعرف الأهم، مثل ما الذي صاغ تفكيره بهذه الطريقة؟ كيف وصل إلى ما وصل إليه وهو في هذه السن؟ وغير هذا كثير من الأسئلة، ولكن لم العجلة ستأتي الأيام بعجاجها. انتقل تفكيره بعد هذا إلى روايته ذات الفصل اليتيم، هل يفعل ما قاله سعد؟ هل يعجل بقتل أحد أفراد العصابة؟ أم يثبت على قراره ويرجئ ذلك إلى الفصل القادم؟ أدرا الفكرة في رأسه ثم قر قراره على العمل باقتراح سعد، سيدع جهز يموت في الفصل القادم. وهكذا مضى ينقل أفكاره ويكد عقله، حتى وصل إلى المكان الذي يترك منه الطريق المعبد ويخوض في الأرض المبثوثة حصى ونباتات برية ليصل إلى المخيم، ضيق عينيه وخفف سرعته ومضى تكلله سحابة من الغبار يخترق الطريق الذي اعتاده، حتى وصل المخيم والساعة قد أوفت على العاشرة مساءا ً. تسلل إلى أذنيه صرير الحشرات الليلية مخلوطا ً بضحكات أصدقائه عندما نزل، تنفس بعمق ووقف بجانب السيارة في الظلام، ومرت في ذهنه لمحات من كل ما فعله خلال هذا اليوم العجيب، فكر في رحلته كلها، لقاءه بسعد، وطفت في ذاكرته وبلا سبب صورة للكرسيين الذين رآهما في حديقة بيت سعد. طرد الأفكار من ذهنه ومشى إلى حيث يقوده وهج النار التي التف حولها صحبه، وعندما لاح لهم جاءه صوت مروان: - هلا... هلا والله. - السلام عليكم. جاءه الرد بأصوات مختلطة، صافح الجميع وجلس مستدبرا ً النار، استل ناصر من دلو ملئ بالماء والبيالات (بيالة) صب فيها شايا ً وناولها له وهو يقول: - والله وفقدناك اليوم يا أبو علي. - الله يسلمك. مروان: أبو سعود اليوم ضاق صدره عشانك مشيت، حتى أنه بغى ما يتعشى من ضيقة الصدر. ناصر: هههه، أشوى أنه يأكل بيديه الثنتين. ضحك حمد، فيما تململ عبدالعزيز وقال وهو يحدج ناصر بنظره: - والله ما خلص العشاء إلا أنتم يا راعين الكروش، وخصوصا ً هالدب. وأشار برأسه إلى مروان، الذي أشار بإصبعه إلى فم عبدالعزيز وقال وهو يتصنع الجدية: - أبو سعود... فيه مايونيز على فمك. مسح عبدالعزيز فمه، فأنفجر مروان وناصر ضحكا ً: مروان: شفت أنك مشفوح، الله لا يبلانا بس. ناصر: ههههه، ترى أبو سعود ضايق صدره أن الأكل باليمين بس. * * * عندما انفرد حمد بمروان حول النار، كان الليل قد انتصف والبقية قد أووا إلى فرشهم، قال مروان وهو يحرك النار الخابية بعود طويل: - قرأت الفصل اللي أعطيتني إياه. - وش رأيك؟ - بصراحة حلو. - وش اللي عجبك فيه؟ - شف أنا ما عندي هرج واجد... ما راح أقولك مثل باقي الناس ( فضاء الرواية ينقلنا إلى عوالم أرحب، والتواجد الزمكاني للبطل يحاول التضافر مع عوامل السرد لنحصل على مزيج من الرتمية والحس الواعي) إلى آخر هالكلام الفاضي، أنا ما عندي إلا كلمتين حلوة أو مهيب حلوة، بس. مرت في ذهن حمد صورة سعد وهو يستفيض في نقد فصله والكلام يتدفق من فمه، وقارنها مع صورة مروان الذي قال هذه الكلمات اللا مبالية وهو يمد رجليه في اتجاه النار وقد اتكئ على وسادة خلفه مفسحا ً المجال لكرشه لتتمدد للأمام، طرد المقارنة من ذهنه سريعا ً، وقال ليتجاوز الموضوع: - وروايتك... متى بتنزلها؟ - قريبا ً... لا تستعجلها بتأكل الجو عليك أنت والكتاب بالمنتدى. - ههههههه، يصير خير. - إلا على فكرة، اليوم وش السالفة؟ ما كنت طبيعي الصباح، كنت ضايق صدرك وكان فيه شيء مثقل عليك، والآن مبسوط كأنه هم وزال عنك، عسى ما كان فيه مشكلة وإلا شيء؟ صمت حمد قليلا ً، ثم لم يدري لم انطلق لسانه لينهي إلى مروان بخبر سفره كاملا ً، ذكر كل شيء من بداية تعرفه على سعد إلى لقائه اليوم معه، أغفل فقط حكاية الروائية الجماعية لأنه لم يحن وقتها. صمت مروان وتلقى الحكاية كاملة وهو يحرك الرماد والجمر، وعندما انتهى حمد قال: - والله إنك مهبول... وشلون تسافر لواحد ما تدري من هو؟ ولا تعرف أي شيء عنه، وبدون ما تبلغ أهلك، أو حتى تبلغ أي أحد بمكانك، يعني لو لا سمح الله صارت لك مشكلة وشلون بندري عنك؟ المفروض بلغتني أنا على الأقل. - والله إنك صادق... لكن ما جاء على بالي... كنت مستعجل فتصرفت بهالشكل. - وبعدين هذي خاتمتها يالردي... تخلي ربعك وأخوياك كذا، وتسافر عشان واحد يكتب بمنتدى... يا خسارة تربيتي فيك. - ههههههه، أقول ضف وجهك، أنت ما تربي ولا عنز. - المهم... نصيحة لوجه الله، لا تصير مطفوق، مهوب كل واحد يعجبك كلامه و إلا كتابته تروح تركض له، ترى الواحد ممكن يكون أسلوبه في الكتابة ملاك، لكن لما تقابله تكتشف أنه شيطان في صورة إنسان. - فعلا ً... يعني أنت مثلا ً يا مروان لما الواحد يقرأ لك يحس أنك فاهم، لكن لما يقعد معك يكتشف أنك ما عندك ما عند جدتي. - الشرهة مهيب عليك الشرهة علي اللي أضيع وقتي معك... أقوم أنام أصرف لي. ونهض فلحقه حمد وأطفأ النار، وعندما استوى حمد على فراشه، بدا له اليوم الذي مضى طويلا ً جدا ً وحافلا ً، و تواردت إلى ذهنه عندما تدلى في جب النوم صور كثيرة، مروان وعبدالعزيز يصنعان القهوة صباحا ً، جذع شجرة محروق طرفه وعلى الطرف الآخر نقشت ذكريات مجهولة، عامل بنغالي ذو سن مكسور في بقالة مغبرة، شواخص الطريق وهي تمر به أو هو يمر بها، مواقف الراشد، سعد، غمازات سعد، المسجد الشامي، حديقة، نخلة، كرسي في الحديقة، دجاج وسمك، جوال، بحر... بحر... بح... وسحبه الموج إلى الأعماق فنام. * * * مضى يوم الجمعة سريعا ً، وصارت السفرة الخاطفة مجرد ذكرى، وبدأت ملامح سعد تذوب، حتى أن حمد تساءل " هل حقا ً كنت بالأمس في الخبر؟"، عاد إلى المنزل بتساؤلاته وذكرياته. وعندما انتهى من السلام على أهله، وقبل رأسي أمه وأبيه، قصد دورة المياه وألقى بنفسه في البانيو الذي ملأه ماءا ً دافئا ً، أسند رأسه إلى الطرف وأغمض عينيه، أحس بالماء يجلو تعبه، اضطرابه، يرتب ذاته المتناثرة. أمضى قرابة الساعة وهو مسترخ ٍ، والأفكار تتجول بهدوء في طرقات عقله، فكر في روايته، لقد قرر أن يفعل ما قاله سعد، سيدع جهز يموت في هذا الفصل، وسيكون هذا الموت بعبارات حاسمة وقوية وبدون ابتذال للمشاعر، وسيرى كيف يتلقى القراء النص. خرج من الحوض، جفف جسده، وتناول عشاءا ً خفيفا ً ثم جلس أمام الجهاز، ألقى برأسه للخلف وجعل يدير الكلمات في ذهنه، سيبدأ بداية صاعقة، هو يحب مثل هذه البدايات، عندما تحاصر القارئ بمجموعة من الأحداث المتوالية، ثم تنسحب بهدوء وتبدأ من البداية لتفسر ما حدث. فتح صفحة بيضاء على معالج النصوص ( الوورد)، كتب في أعلاها ( الفصل الثاني) ثم بدأ يكتب سطرا ً ثم يمسحه وهو شارد والكلمات تتداول في عقله، ثم جاءت الكلمة وتلتها أخرى، وتتابعت الكلمات، واستحالت صفحة ثم صفحات، حتى مضت ساعة وهو منطلق وعندما توقف عن الكتابة كان بين يديه فصل وليد. * * * في مدينة الخبر/ 10.45 مساءا ً. كان السكون يلف حديقة المنزل، التي تلمع أعشابها من أثر الماء، وتحت العريشة التي غطتها النباتات المتسلقة جلست نوال، كان الهواء المحمل برطوبة خفيفة منعشة يهب مداعبا ً وجنتيها وشعرها. كانت تجلس على كرسي الخيزران المبطن تبطينا ً جيدا ً، وعلى ركبتيها استقر جهاز محمول تداعب أصابعها مفاتيحه الناعمة، وتلقي شاشته الصغيرة نورا ً خافتا ً على وجهها وسط الظلمة التي لفت المكان، كانت منهمكة في وضع اللمسات الأخيرة على تصميم من تصميماتها الحالمة التي تفيض بالأطفال والزهور والطيور والألوان الهادئة. جاءت نوال كدرة العقد بين أخوتها وأخواتها، فجمالها ورقتها كانت تضفي عليها هالة سحر تقتحم القلوب بسهولة، ذات بشرة بيضاء وعينين حوراوين وغمازات في خدها تتراقص بجنون عندما تضحك، وشعر يكلل رأسها كتاج رباني أسود، كانت تسمى بين زميلاتها في المدرسة ( سالي) لشبهها بـ ( سالي) بطلة أحد أفلام الكرتون الشهيرة ولرقتها ولطفها، وامتد عبث الفتيات إلى تسمية المديرة بالآنسة ( منشن) لأسباب ليس هذا مجال ذكرها. ورغم التدليل والمعاملة الخاصة التي نالتها نوال من أبيها ومن سعد وأخوتها من أبيها فإن هذا لم ينشئها مدللة، سطحية، لا يتعدى تفكيرها رغبتها ونزواتها كما يحدث دائما ً، بل جاءت تربية أمها الحازمة لتوازن الدفة وتصنع من نوال شخصية آسرة. في مثل هذا الجو نشأت نوال رقيقة مرهفة الحس، تحب الرسم والذي طورته إلى التصميم على برامج التصميم الحديثة، وتكتب خواطر بسيطة تدونها في مفكرة ذات قفل صغير. كل فتاة في الدنيا عندما تبدأ عواطفها في التشكل تفتش عن رمز تحبه، لا حبا ً عاطفيا ً كحبيب بل حبا ً خالصا ً كرمز، قد يكون هذا الرمز أبا ً أو أخا ً أو عما ً أو حاكم البلد، قد يكون حيا ً وقد يكون ميتا ً، لأن الفتيات يختلفن عن الفتيان بأن الحب لديهن متعلق بالأشخاص لا الأشياء، الحب لدى الشاب انتقائي، فهو يحب شكل فلان، عيني فلانة، وأخلاق فلان الثاني، وأناقة فلان الثالث وهكذا، بينما تركز الفتاة حبها كله في شخص محدد، فتحبه بكل ما فيه، تحب شكله وكلامه وضحكته والتفاتته وحتى مشيته، ولذلك عندما تحب الفتاة تحب بإخلاص، وفي حالة نوال كان هذا الرمز الذي درجت على حبه أخوها سعد. وعلى مر السنين ورغم تقلباته النفسية وانعزاله ظلت حب سعد عامرا ً في قلب نوال، بل ربما غلت في حبه حتى بدأت تظن أنها لن تحب أحد مثلما أحبته، وظلت دوما ً تحاول التقرب منه، وتنفيذ طلباته البسيطة التي لا تتعدى صنع ألوان من الطعام يفضلها، أو تهيئة المنزل لاستقبال أحد أصدقائه القليلين، ولذلك عندما طلب منها يوما ً مساعدته في تصميم منتدى على الانترنت حلقت فرحا ً بهذه الخطوة التي قد تعيد إليها سالف الأيام. ثم بدأ في كتابة القصص القصيرة، فتحمست لمتابعتها، حتى أنها صارت تحملها معها إلى المدرسة لتطلع بفخر زميلاتها عليها، وجعلت من نفسها القارئة الأولى له، حتى صار يعطيها القصة لتقرأها قبل أن يضعها في المنتدى، ثم شرع في كتابة رواية، حينها وصل حماسها إلى القمة، وتتبعت بطليه خالد ونورا وأحبتهما، أحبت بساطة خالد كما أحبت عمق نورا، وتمنت أن لو تكون نورا وأن يأتي يوما ً خالد الذي يكتب فيها المعلقات، وبلغ من هوسها أن صارت تبكي بعيدا ً عن العيون عندما تقرأ كلمات خالد اليائسة، وتتمنى لو تطلب من سعد أن لا يقسو عليه. في ذلك المساء كان التصميم الذي بين يديها يكاد ينتهي، عندما سمعت باب البيت الداخلي يفتح ورأت سعد يبرز منه خارجا ً وبين يديه مجموعة من الأوراق، قصدها وهو يرفع الأوراق إلى رأسه، هتفت فرحا ً: - الفصل السادس؟ - ايه. - ما شاء الله... ايش النشاط هذا؟ العادة الفصل يأخذ منك وقت أكثر. - آه... لو تدرين الفصل هذا قد ايش تعبني ودوخني، المهم... الفصل بين يديك ِ، أنا الآن بطلع البحر، أبغى أغير جو وأشم هواء بعد التعب هذا كله. - في هالوقت؟ مو عادتك. ( قالتها وهي تنظر إلى ساعة يدها التي قاربت الحادية عشرة). - محتاج للخروج... أبي أغير جو، أقرأي الفصل... أريد رأيك ِ قبل أن انشره غدا ً. وغادر المكان بخطوات خفيفة، فأغلقت نوال جهازها وحملته مع الأوراق إلى الدور الثاني حيث غرفتها الصغيرة، وضعت المحمول على المكتب، وأطفأت الأنوار وألقت بنفسها على السرير مضيئة نور القراءة المجاور للسرير والذي يزودها بالجو الخاص بها. تحسست الأوراق التي بدت لها أكثر من المعتاد، أملت نفسها بفصل دسم، ومرت بأصابعها على الحروف المنغرسة في لحمة الورق، وهي تتأمل خط سعد الذي يلتهم الكلمات من السرعة. بدأت عيناها بالمرور على السطور محركة شفتيها بهمس خافت مرددة ما تقرأه، وعندما بدأت كلمات الفصل تتوالى بدأت أصابعها تتوتر على الورق ودقات قلبها تزداد، وقلبت الأوراق بأصابع مرتجفة، وتوالت الحروف كدر عقد مقطوع، وبدأ سؤال مجنون يثب في ذهنها وهي تقترب من الورقة الأخيرة، وعندما بلغتها سقطت الورقة من يدها وتهادت لتحط على بقية الأوراق، وهناك على خدها الأسيل لمع خيط من الدمع، وبعد ثانية تبعه خيط ثان ٍ. ماذا حدث مع نوال عند قراءتها للراوايه غداً ان شاء الله تعلمون.. ودي ومحبتي كونوا بخير / ؛ / صوت الحق سارا
__________________ .... بحبكم كتير الله لا يحرمني منكم :) .... |
| | |
| | #27 (permalink) |
| كـــافـــي عـــــذاب ![]() تاريخ التسجيل: Nov 2004 الدولة: بين صفحات الزمن العمر: 24
المشاركات: 3,167
![]() | انتظرك من جديد لتكملى القصة تسلمى سارا
__________________ أُمــــي ... أحبك أحبك أحبك ربى أجعل لها قصرا بجنتك ورحمها وغفر لها ولى ذنوبنا وقنا عذاب نارك اللهم آميـــــن |
| | |
| | #28 (permalink) |
| مشرفة واحة الشعر والقصص ![]() ![]() تاريخ التسجيل: Jun 2007 الدولة: ذات منفـــــى
المشاركات: 6,683
![]() | ؛ / هلا والله وغلا بنوال والنورس الحزين اشكركم على مروركم وكلامكم الطيب وخاصة نوال يسعدك ربي ويخليكِ الاهم ان القصص نالت اعجابك ورضاك الله يسلمك.. وشكراً نوال كتيير على طيب كلامك وزوءك.. راح ان شاء الله انزل لكم القصه كلها اليوم لأنو ان شاء الله اجتني سفره اظطراريه لمدينة الدمام راح ابعد عنكم لمدة اسبوع ان شاء الله برجع وبوعدكم بالقصص الحلوه الي تنال اعجابكم هالمره فلتو مني ومن شقاوتي بسبب السفر هههههههههههههه بس المره الجاي قاعدلكم اتمنى واتمنى واتمنى من العلي القدير ان تنال القصه على استحسان الجميع ورضاه.. تفضلوا والسموحه من الكل فرداً فرداً ونكا ونكا ؛ / الجزء الحادي عشر // في لحظة فتحت عينيها، كان نور مصباح القراءة يبدد جزء ً صغيرا ً من ظلام الغرفة، حركت يدها فأحست بآلام في رسغها فأدركت أنها قد نامت متكئة على يدها. كان الفجر قد حل، نهضت بتثاقل وأدت فرضها وعندما انتهت أنارت الغرفة، لمحت الأوراق المتناثرة على السرير، وعادت إلى ذهنها الكلمات المسطورة فيها، وداخلها شعور بالضيق والهم، تناولت الأوراق، جمعتها في حزمة واحدة، وعادت لتستلقي في السرير وتقرأ بتعب وحزن. كان الفصل الذي بين يديها عبارة عن رسالة طويلة جدا ً من خالد إلى نورا، وكانت الرسالة تبدأ بـ : ( حبيبتي نورا لحظة... لا تعقدي حاجبيك ِ ولا تسخطي على جرأتي، أعرف أنها أول مرة أخاطبك ِ بها بهذا اللقب، بل أنت ِ أول من أقول لها " حبيبتي"، ولكن خذيني بالرفق وأقرئي الرسالة إلى نهايتها. سأحدثك ِ في هذه الرسالة عن نفسي فأنا لم أحدثك ِ عنها إلا القليل، سأفعل الآن وإن كان لي عندك ِ فضلة مودة لم تطيرها كلمتي السابقة فلا تتململي من حديثي، فقد كنت أسعد كثيرا ً عندما كنت تحدثيني عن نفسك، آرائك، صديقاتك، واليوم أظن أني قادر على الرد بالمثل. ولدت في صيف لاهب في قرية صغيرة مطمورة بالرمال، كنت أول حفيد لجدي، وربما هذا هو السبب الذي جعله يفقد وقاره كما أخبرتني أمي، حيث صار يأتي كل حين إلى غرفة النساء ليطل علي في المهد، يتأمل خلقتي وملامحي الصغيرة وهو يردد ( ما شاء الله... ما شاء الله... الخشم خشم عمه سلطان، والعيون عيون أميمته، والخشيشة خشيشة خالته أسماء، يا الله أنك تغفر لي والوالدي، اللهم صلي على محمد... يا زين ذا الولد زيناه... كله ملح)، طبعا ً هي ملاحة وفق مقاييس جدي وللمرآة رأي آخر. كان أبي يعمل عملا ً ما، تجارة أو نقل يقضي بأن يتنقل بين السعودية والكويت، فكان يتغيب عن القرية شهورا ً، نقضيها أنا وأمي في كنف جدي، عندما كبرت قليلا ً أدركت أنه هناك عدم استلطاف مخفي بين أمي وعماتي، هو شيء من أمور النساء التي تعرفينها، أظن أن عماتي كن يردن تزويج أبي امرأة ما وخيب أبي آمالهن بزواجه من أمي فغضبن وصرن يعاملنها بجفاف، وأمي ليست ناقصة لسان ولا خافتة صوت، كانت ترد الصاع صاعين، ونشأت أنا بين الفريقين، كنت أتلقى القبلات من كليهما، وخصوصا ً من عمتي فاطمة التي مازلت أتذكر قبلاتها المبللة باللعاب وأنفاسها اللاهثة. عندما اقتربت من السابعة قال أبي لأمي أنه سيأخذنا إلى الرياض حتى أدخل المدرسة وأصير "أستاد" كما كان يتمنى فيما كانت أمي تأمل أن أكون إماما ً للحرم المكي وهو حلم لم يتحقق كما ترين، صحيح أني صرت إماما ً لمسجد حينا الصغير لفترة بسيطة في أحد الرمضانات، وكنت أجتهد حينها في القراءة من المصحف والترتيل بصوت كنت أحسبه شجيا ً، حتى جاء يوم قرأت فيه سورة الأنعام ولم أنتبه أن هناك يدا ً أثيمة قد انتزعت صفحة كاملة من المصحف، عندما أحس المأمومون بقفزي لعدد من الآيات ردوا علي فأصررت على موقفي لأن المصحف بين يدي وأرى ما لا يرون، عندما انتهت الصلاة نبهوني على خطأي، أريتهم المصحف بعناد، فضحكوا وهم يشيرون إلى أرقام الصفحات، تواريت أنا خجلا ً من بلاهتي، وفي الغد قدموا غيري. دخلت المدرسة واجتهدت في الدرس والتحصيل، وخصوصا ً أن أبي كان لديه نظرية تربوية جميلة اسمها " نظرية اللعاب" تتحدث هذه النظرية عن أن " أن كل العيال لعابين، وأن الولد ما ينضبط إلا إذا مسيته بالعقال وإلا الخيزرانة"، هذه النظرية كانت حافزا ً من حوافز لي لأجتهد، وبغض النظر هل كنت لعابا ً أم لا، فالحاصل هو أني كنت أنجح وإن كان نجاحا ً بسيطا ً، حتى تخرجت من الثانوي ودخلت في كلية المعلمين لأحقق حلم أبي وأصير " أستاد". هنا يجب أن أتوقف وأن أعترف، صحيح أني اخترت قسم اللغة العربية، وصحيح أنه كان لزاما ً علي أن أقرأ كثيرا ً في التراث العربي حتى أحصل على مادة علمية تخولني النجاح، ولكني رغم ذلك كنت شابا ً متواضع القدرات، بلا حلم، بلا طموح، بلا هدف. ثم جئت أنت ِ، كان الأمر كأني كنت راقدا ً سنوات طويلة في قبر مفتوح، والأتربة تنثال علي ببطء، وأن بابا ً من السماء فتح وأطللت أنت ِ منه وقلت ِ لي قم فقد طال رقادك، فقمت كأني بعثت جديدا ً. نورا... لقد مرت بي أيام كنت أمضي فيها في الحياة، أدرس وآكل وأشرب، أضحك وأسافر وأصخب، ولكن عندما أتيت أني بدأت أفكر، لقد أيقظت ِ عندي الرغبة في التغيير. لا أظن أني يوما ً من الأيام سأوفيك ِ حقا ً أو سأستطيع أن أرد لكي جميلا ً، لا... لا... لا ترفعي حاجبا ً وتهزي رأسا ً وتقولي ولكن ماذا فعلت أنا لكي أستحق كل هذا؟ نورا... يا نور حياتي وبهجتها، كنت أقرأ في الكلية للجاحظ، والتوحيدي، وابن خلدون، والمعري في الأقدمين، وللرافعي والزيات والعقاد والطنطاوي في الآخرين، ولكني كنت أقرأ لهم قراءة لا تجاوز حلقي ولا تنفذ إلى عقلي وقلبي، لا زهدا ً فيما يكتبون ولكنه الشيء عندما يفرض على الواحد منا فلا يقبله، ثم جاء اليوم الذي قرأت فيه لكي فأيقنت حينها أني لم أقرأ قبلها كتابا ً ولم أفهم خطابا ً. قد تظنين أني أبالغ في كلامي، وأن حبي لكي يجرح شهادتي في قلمك، ولكن سأخبرك ِ ماذا فعلت بأحد مقالاتك ِ التي أذهبت عقلي، حيث أني نسخت مقالك ِ الشهير " التعب الأدنى" بعدما كلفت به، ولم أذيله باسم بل كتبت في أسفله " كاتب ناشئ ينتظر رأيك" ودفعت المقال تحت باب أحد المحاضرين لدينا في الكلية، وهو ناقد معروف وله بحوث ودراسات لها احترامها، وعدت بعدها بأيام لأجد ورقة ملصقة على بابه مكتوب فيها " إلى كاتب ناشئ قرأت ما خطته يداك يا بني، وحري بمن له هذا القلم أن يطرق الباب وأن يعرض نفسه للعيان لا أن يدفع بأوراقه من تحت الأبواب كأنها منشورات أو محظورات، تابع دربك فهو طويل ولكن لا تبخس نفسك حقها، واسأل الله لك التوفيق والسداد." ذهلت فهذا الناقد معروف بعنفه وقلمه الذي يسوط به الكتاب والشعراء، هل تذكرين الرواية التي فازت بتلك الجائزة الخليجية، هو عينه الناقد الذي ساط الكاتب واللجنة التي تقدم الجائزة، وقال فيهم قولته الشهيرة " الذي يهرف بما لا يعرف يجيزه الذين لن يعرفوا يوما ً أنهم لا يعرفون"، المهم أني ذهلت أنه لم يشذب المقال ولم يهاجم الكاتب كما يبدو أنها هوايته الأثيرة. نورا... صحيح أنك ِ لم تأتي بجديد في اللغة أو في الأدب، ولكنك ِ من الذين يعرفون طريق القلب، الذين تلين لهم الكلمات وتتقلب حيث يريدون، الذين يجاوزون المواضيع التقليدية ليعبروا عن هواجس القراء، رغباتهم، أحلامهم وخيباتهم، أنت ِ تستطيعين أن تقولي ما يتلجلج في صدور الجميع ولكنهم يعجزون عن الإتيان به حتى يروه مسطورا ً بين يديهم فيقولوا يا الله ما أجمل هذا وأبسطه، كأن الكاتب أطلع على أفئدتنا فقال ما أردنا أن نقوله. نورا... الحب يجترح المعجزات، وحبك ِ صنع معجزتي، انتشلني من هوة الضياع، من الوقت الذي يمضي سدى، تعرفت عليك ِ ذات أحد، كانت الساعة الحادية عشر ليلا ً وكنت قد قصدت مقهى الانترنت الذي يبعد عن منزلنا ثلاثة شوارع والذي آتيه عندما أستشعر الملل، كان مظلما ً وغمامة من الدخان تطوق الجالسين فيه، انتحيت الركن الذي أفضله، ومضيت أتجول في الانترنت بلا هدف، في يوم الأحد المبارك ذاك الذي مر عليه الآن سبعة أشهر و اثنان وعشرون يوما ً، ولجت المنتدى إياه ووقعت عيناي على قصتك ِ ( مذكرات أحمر شفاه) جذبني العنوان كما تجذب عبارة ( تخفيضات 70 %) النساء ( ههههه، أعترف أني لا أجيد أسلوبك ِ في التهكم والتعبير، لا تشرهين)، ما علينا قرأت قصتك ِ مرتين وسط رائحة الدخان الخانقة، فأحسست كأن الرائحة النتنة قد زالت وحل محلها عطر غامض مجهول، طفقت كالمجنون أبحث عن قصصك ِ الأخرى في الموقع، وجدت يومها قصة ( فتاة غلاف) ومقالك ِ ( التعب الأدنى). عدت إلى المنزل فجرا ً، أحمل في جلدي وملابسي رائحة الدخان العفنة، وبين جوانحي عطر كتاباتك الغامض، ورغم أني ارتجفت تحت دفق الماء البارد فإن النار التي بعثتها حروفك ِ لم تخبو بين جنبي، كانت قد تبقت ساعتان على موعد المحاضرة الأولى ولكني لم أنم، جلست ككاهن من قبيلة الزن اليابانية على السرير أستمع لضجيج المدينة التي تستيقظ، وأفكر بك ِ، كنت أتخيلك ِ حينها نائمة بوداعة رضيع. عدت طبعا ً لأقرأ ما كتبته مرات ومرات، و لأتتبع كل ما تكتبينه حتى وعيت في يوم من الأيام على حقيقة أني بدأت أحبك ِ، لم نكن قد تبادلنا حرفا ً واحدا ً حينها، كنت أيامها أخجل أن أخط لك ِ ولو سطرا ً واحدا ً بلغتي المتواضعة ومفرداتي القليلة، كنت قانعا ً بأن أقرأ لك ِ فقط، أن أعب حروفك ِ وأن أستنشق عبقها، وأن أترك لخيالي رسم تفاصيل ملامحك. حتى بلغ الحب مني الشغاف، وجاوز الأعطاف، جلست يوما ً على مكتبي الصغير الذي تغطيه الكتب الجامعية والمذكرات والملخصات، وبين يدي ورقة بيضاء مسطرة، وجعلت أتأمل الخطوط الزرقاء الدقيقة المتوازية وأنا أكد ذهني بحثا ً عن شيء أكتبه لك ِ، وكلما فكرت في جملة أعود فأنبذها مستسخفا ً، حتى أدركني اليأس، فرفعت بصري إلى سادة القلم المستقرين على مكتبي، استعطفت المازني، وتملقت الرافعي، وداهنت الزيات، ولكنهم كانوا عني في سبات. يومها أوقد حبك ِ شرارة الثورة، ثورة العاشق الذي اقتضى حبه أن يغير نظام حياته من أجل حبيبته، ثورة عصفت بكل شيء في حياتي، برنامجي اليومي، هواياتي، الناس من حولي، يومها وضعت رسالة لائقة لك ِ كهدف أمامي ومضيت أبحث عن كل ما يؤهلني لأكتب لك ِ، نورا... كان الطريق مريرا ً متعبا ً، أمضيت شهرين في الصيف في القراءة اليومية، وألغيت سفرة كنت قد أعددت لها مع أصدقائي، وفي النهاية صار بين يدي رسالة أستطيع أن أرسلها لك ِ، كانت هي الأولى، وصار ما تعرفين من ردك ِ علي، والرسائل التي تبادلناها، وانتقالنا إلى الحديث المباشر على المسينجر وصولا ً إلى رسالة اليوم. نورا... كنت قد قطعت على نفسي عهدا ً أن لا أؤذيك بكلمة، كنت أتخير ألفاظي لك ِ رغم لهفتي الشديدة وحبي الجارف، كنت آنف أن أدنس طهرك ِ وأن أتجاوز أخلاقي وتربيتي، كنت أكبت الحب وأعيد النظر في الحروف لأتأكد أن لا كلمة تسللت من رقابتي الصارمة. تتسألين ما الذي غيرني اليوم؟ هل تجاوزت أخلاقياتي؟ هل أرضى أن يمسك ِ سوء أو أن تعلوك ِ كآبة؟ لا والله... دون ذلك الموت، ولكني تعبت يا نورا... تعبت... وصار يتملكني الآن شعور عداء المسافات الطويلة الذي جرى كل المسافة ثم أدرك في اللحظات الأخيرة أن السباق ألغي، وأن تعبه وجهده لا معنى له. نورا... أدركت منذ فترة بسيطة ومن سياق كلامك ِ أنه لا مكان لي في قلبك، لا الآن... ولا مستقبلا ً، وأن نظرتك ِ لن تتعدى يوما ً ( القروي البائس الذي يلوك الحروف)، يقولون في الإستراتيجية العسكرية دائما ً لا تبدأ حربا ً لا تستطيع كسبها، أنا لن أكسب هذه الحرب. وبما أني خاسر لا محالة، واستباقا ً للطعنة القادمة، فسأمزق فؤادي مختارا ً وأرحل، سأحمل حروفي الكسيرة، سأحمل بقايا الحلم الميت بين يدي كطفل مات اختناقا ً، سأرحل لأوقف الاستنزاف اليومي لقلبي. منذ يومين أعطيت أمي الإشارة التي كانت تنتظرها لتبدأ رحلة البحث عن زوجة لي، لم أشترط شيئا ً، تدور أمي الآن باحثة عن هذه البائسة الصغيرة المتشبثة بالحلم، هذه البائسة التي ستفرح عندما يقال لها أنه هناك من تقدم لها، ستبدأ بالاستعداد... ستطوف الأسواق لتشتري كل جديد وجميل تكسو به جسدها، وفي ليلة العمر ستبكي أمها وهي تودعها، ستزهو في حفل أمام الحاضرات وأمام صديقاتها وقريباتها، ثم ستخطو إلى منزل قد سد صاحبه قلبه منذ زمن، وبعد أيام تعلم إلى أي قبر اقتيدت، لن تسمع أصداء الكلام الجميل... سترى بؤسها يجوب زوايا المنزل، تهرع بهلع إلى الهاتف... تحدث صديقاتها بهستيريا ( ما يكلمني كثير... ما ني قادرة أفهمه يا بنات... أحس إني مخنوقة... ياليتني ما تزوجت... خايفة... خايفة) سيطمئنونها ويطالبونها بالصبر وأنه ستتغير الأحوال إلى الأفضل مع الأيام، وتمر الأيام ولا يتحسن شيء وترضى هي بواقعها الكئيب، ويبقى صاحب القلب المغلق يتمتم نورا. أليست بائسة؟ لا... لا... لست متوحشا ً يا نورا، أنا عاشق مصدوم، يتقلب كل ليلة على الألم بأن حبيبته ستذهب إلى غيره، وأن كلماتها وضحكاتها سيستمتع بها رجل آخر. ) توقفت نوال عن القراءة مع تجمع الدموع في عينيها من جديد، أخذت نفسا ً عميقا ً، نظرت إلى الساعة، لم يتبقى الكثير على موعد ذهابها إلى المدرسة، نهضت لتصلح من حالها. عندما انتهت كانت قد تبقت خمس دقائق على موعد خروجها، وبدلا ً من أن تتناول إفطارها المعتاد، تناولت الأوراق وقفزت بقية الأوراق وقصدت الصفحة الأخيرة: ( هكذا... لا رسالة بعد اليوم ستصلك ِ مني، ولا رسالة منك ِ سوف أستلمها، سأقوم بإلغاء هذا البريد الآن، لن ألج المنتدى يوما ً... بل ربما أغادر الانترنت كاملا ً... كل ما سأصطحبه معي حبك ِ... كلماتك ِ... والامتنان العظيم على الدافع الذي وفرته لي لأرقى بنفسي فكريا ً... والألم العميق من تأثيرك ِ على نفسيتي وصحتي. نورا... هو الوداع... لا لقاء إلا في الجنات بإذن الله، أتمنى أن لا أكون مجرد شخص عابر في حياتك. أرى الطريق الآن يتبدى لي موحشا ً، كمسافر مع قافلة اكتشف في القفار أنه فقدهم، أنا الضائع يا نورا في قفار الحب، أنا التائه الشريد. أهدي لك ِ بيتين نظمتهما: هونا على قلبي ولا تذهبا /// بروحي فما زلت متعبا إذا المجنون بليلى مات معدما /// فأنا في نورا أحيا معذبا خالد انتهت الرسالة * * * ((إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)) - تمت الرواية بحمد الله –) لفت نوال الأوراق وحملت حقيبتها وانطلقت |