| أمـير البحـر | الاسلام بين العلماء والحكام.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
احاول في مقالتي هذه التطرق لبلاء اصاب عالما من علماء الامة المخلصين على يد بعض حكامها. وارجو ان تقارنوا بين علماء الاسلام وعلماء السلاطين. ايهم اولى بالاخذ منه والترحم عليه وتوقيره ومدحه!
النص مأخوذ من كتاب (الاسلام بين العلماء والحكام) للمخلص لربه ولا نزكي على الله احدا (عبد العزيز بن عبد اللطيف البدري) الذي قتله صدام حسين واخوه برزان في ذات الغرفة التي قتل فيها صدام بعد ما يزيد على 35 عاما على فعلنتهم الشنيعة بحق مسلم انتصر لدين الله وضحى بنفسه ارضاءا لربه. وحبذا لو يطلع كل عالم وجاهل ومغرر به على الاسلام كيف يتغلغل في دماء وخلايا اهله فلا يسايرون احدا على حساب عبوديتهم لله الواحد القهار. واليكم النص الذي يتحدث عن محنة سعيد بن المسيب رحمه الله:
لاتملأوا اعينكم من اعوان الظلمة الا بانكار من قلوبكم لكي لا تحبط اعمالكم .
_ ابن المسيب _
.. عجز عبد الملك بن مروان بما أوتي من دهاء , ان يجر الى صفوفه سيد التابعين , من جمع بين العلم والعبادة , والتقوى والورع , سعيد بن المسيب . رضي الله عنه .
قال سعيد : ( حججت اربعين حجة .. وما فاتني التكبيرة الاولى منذ خمسين سنة وما نظرت الى قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة) ..
وهو القائل : ( ما اعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله . ولا اهانت نفسها بمثل معصية الله )..
ان دهاء عبد الملك وشراكه لم توقع سعيدا فيها . وان وده .. وتذلــله لم تنطل على سعيدا لينال رضاه , وكلما التمس عبد الملك قربا او كسب ودا من سعيد كان الاعراض نصيبه , والانكار على افعاله حليفه .
( دعي الى نيف وثلاثين الفا لياخذها فقال : لاحاجة لي فيها ولا في بني مروان حتى القى الله فيحكم بني وبينهم ) .
مرت الايام .. فتقدم عبد الملك اليه يرجوا منه ان يزوج ابنته لابنه الوليد حين استخلفه , ولكن سعيدا يرفض , ويابلى هذا القرب ! وينفر من هذه المصاهرة باباء وشمم , اباء العلماء وشمم الاتقياء ... غير مبال بما يجلب عليه هذا الرفض من باس وأذى . لانه قرب ومصاهرة لم يرد بها وجه الله والدار الاخرة , وعصمة النفس من الشهوات الفاسقة .
وامام هذا الرفض لابن امير المؤمنين فانه يزوج بنفسه طالب العلم في حلقته بمسجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أبا وداعة من ابنته الفقيهة العابدة .. واليكم الحادثة كما جائت عن الزوج الكريم ..
(قال ابو وداعة : كنت اجالس سعيد بن المسيب ففقدني اياما , فلما جئته قال : اين كنت ؟ قلت : توفيت اهلي فاشتغلت بها , فقال : هلا اخبرتنا فشهدناها , ولما اردت ان اقوم قال : هلا حدثت امراة عيرها . فقلت يرحمك الله , ومن يزوجني وما املك الا درهمين او ثلاثة ؟ قال : انا فعلت تفعل ؟ قال نعم . ثم حمد الله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم وزوجني ( ابنته ) على درهمين ... وفي مساء ذلك اليوم واذا بالباب يقرع فقلت من هذا قال سعيد . ففكرت في كل انسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب , فانه لم ير منذ اربعين سنة الا ما بين بيته والمسجد , فقمت وفتحت . واذا بسعيد بن المسيب , فظننت انه بدا له _ اي ظهر له غير الذي رآه فجاء يعتذر _ فقلت فما تأمرني ؟ قال : رايتك رجلا عزبا قد تزوجت فكرهت ان تبيت الليلة وحدك , وهذه امراتك , فاذا هي قائمة خلفه في طوله ثم دفعها في الباب ورد الباب )..
هذا فعل سعيد مع احد افراد المسلمين , مع طالب علم , وذلك فعله مع حاكم المسلمين بسطوته وسلطانه , فتامل يا اخي .
وحين ذاك عجز عبد الملك وأسقط في يده و فلم ينفعه دهاؤه , بل لم ينفعه اصطناع تقربه او تزلفه .
ولكن ماذا فعل عبد الملك مع سعيد بعدئذ . هنا جاءت المحنة وحلت النكبة بسعيد ولكنه صبر عليها واحتسب ذلك عند الحي القيوم .
(.. قال يحي بن سعيد , كتب هشام بن اسماعيل والي المدينة الى عبد الملك بن مروان ان اهل المدنية قد اطبقوا على البيعة للوليد وسليمان الا سعيد بن المسيب .
فكتب : ان اعرضه على السيف فان مضى فاجلده خمسين جلدة وطف به في اسواق المدينة _ فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله , على سعيد بن المسيب , وقالوا : جئناك في أمر , قد قدم كتاب عبد الملك ان لم تبايع ضربت عنقك , ونحن نعرض عليك خصالا ثلاثا , فاعطنا احداهن . فان الوالي قد قبل منك ان يقرأ عليك الكتاب فلا تقل لا ولانعم ,
قال :يقول الناس بايع سعيد بن المسيب , ما انا بفاعل , وكان اذا قال لا لم يستطيعوا ان يقولوا نعم , قالوا تجلس في بيتك ولا تخرج الى الصلاة اياما , فانه يقبل منك اذا طلبك من مجلسك فلم يجدك ؟ قال : فانا اسمع الاذآن فوق اذني حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة . ما انا بفاعل , قالوا : فانتقل من مجلسك الى غيره فانه يرسل الى مجلسك فان لم يجدك امسك عنك ,
قال : أفَرَقًَا من مخلوق ؟ _ أخوفا من مخلوق الله _ ما أنا متقدم شبرا ولا متأخر , فخرجوا وخرج الى صلاة الظهر فجلس في مجلسه الذي كان فيه , فلما صلى الوالي بعث اليه , فاتى به فقال : ان امير المؤمنين كتب يامرنا ان لم تبايع ضربنا عنقك , قال نهى رسوال الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين _ بيعة للوليد ومثلها لسليمان في وقت واحد _ فلما راه لم يجب اخرج الى السدة فمدت عنقه وسلت السيوف . فلما رآه قد مضى امر به مجردا فاذا عليه ثياب من شعر .
فقال لو علمت ذلك ما اشتهرت بهذا الشان . فضربه خمسين سوطا ثم طاف به اسواق المدينة فلما ردوه والناس منصرفون عن صلاة العصر قال : ان هذه الوجوه ما نظرت اليها منذ اربعين سنة ( 1) .. ومنعوا الناس ان يجالسوه . فكان من ورعه اذا جاء اليه احد يقول له قم من عندي , كراهية ان يضرب بسببه (2)
( ... عندما ضرب هشام بن اسماعيل والي المدينة لعبد الملك بن مروان الامام سعيد بن المسيب لامتناعه اعطاء البيعة لولّي عهده ( الوليد وسليمان ) ضربا ضربا مبرحا خمسين سوطا وطاف به تبان من شعر حتى بلغ رأسه الثنية . فلما كروا به قال أين تكرون بي ؟ قالوا الى السجن قال : والله لولا أني ظننت أنه الصلب مالبست هذا التبان ابدا ) ..
وفي رواية ( أما والله لو علمت انهم لايزيدونني على الضرب ما لبست لهم التبان , انما تخوفت أن يقتلوني فقلت تبان استر من غيره . وفي رواية دخل ابو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فجعل يكلم سعيدا ويقول انك خرقت به فقال : يا ابابكر اتق الله وآثره على من سواه , قال : فجعل ابو بكر يردد عليه انك خرقت به ولم ترفق , فجعل سعيد يقول : انك والله اعمى البصر اعمى القلب , قال : فخرج ابو بكر من عنده , وارسل اليه هشام بن اسماعيل فقال : هل لان سعيد بن المسيب منذ ضربناه ؟ فقال ابو بكر .. ما كان اشد لسانا منه منذ فعلت به ما فعلت فاكفف عن الرجل .. ثم اخلى سبيله .. وفي السجن ايضا يقول عبد الله بن يزيد الهذلي ( دخلت على سعيد بن المسيب السجن فاذا هو قد ذبحت له شاة فجعل الاهاب على ظهره , وجعلوا له بعذ ذلك قضيبا رطبا وكان كلما نظر الى عضديه قال اللهم انصرني من هشام (3) ) ..
تلك اساءات الحكام في تطبيق الاسلام ,إن البيعة لاتؤخذ من الامة بالقوة والاكراه , ولا بضرب السياط على الظهور , ولا باعتقال وحبس المعرضين عنها , وإنما تؤخذ عن رضا الامة وموافقتها , لان البيعة هي الطريقة الشرعية في نصب الحاكم وهي طريقة التعبير عن رضا الامة عن الحاكم المنتخب فاذا قرر هذا شرعا ومثله قد قرر ان الحاكم هو نائب عن الامة في تنفيذ الاسلام ووكيل عنها في الحكم , فكيف يباح لستعمال القوة باشكالها وألوانها في سبيل اقرار هذه البيعة لتحقيق شرعية النيابة والوكالة .
( اللهم انصرني من هشام ) تلك دعوة مظلوم على ظالم . ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجابا . فاستجاب الله تعالى هذه الدعوة وازال سلطان هشام ومن ولاه . فليحذر الظالمون من دعوة المظلومين , بذلك نطق الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم
ولكن هل انتهت محنة الامام الورع ؟ لالا . فقد جاءته محنة اخرى , فصبر عليها كما صبر على اختها من قبل ...
( ... استعمل عبد الله بن الزبير جابر بن الاسود الزهري على المدنية المنورة فدعا الناس الى البيعة لابن الزبير فقال سعيد بن المسيب لا حتى يجتمع الناس فضرب ستين سوطا فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب الى جابر يلومه ويقول مالنا ولسعيد دعه (4) ) ...
.... وكان جابر هذا قد تزوج الخامسة قبل ان تنقضي عدة الرابعة , فلما ضرب سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه : ( والله ما ربعت على كتاب الله , يقول الله ( وانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) وانك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة , وماهي الا ليال فاصنع ما بدا لك فسوف ياتيك ما تكره ).
وقد صدق سعيد , فما مكث جابر الا يسيرا حتى قتل ابن الزبير وكانت نهاية جابر السوداء المظلمة , وتلك عاقبة الظالمين .
وهكذا عاش سعيد ممتحنا في دينه وهكذا شأن المتقين الابرار , رحم الله سعيدا فقد جاد بنفسه في سبيل الحق وإقامة العدل فلم تزعزع ايمانه المحن بل زادته ايمانا ويقينا بان للدين صولة وللاسلام قوة ولا غرو في ذلك لأنه من العلماء الرجال ...
أعلمت اخي القارئ ان كل ( جرم ) سيد التابعين ابن المسيب في نظر عبد الملك بن مروان انه لم يبايع ولي عهده , ولأنه امتنع عنها لوجود نص شرعي يحفظه , فهو حجة عليه يوم القيامة .
وتلك اساءة عبد الملك ومظلمة سجلها عليه التاريخ وأنكرتها عليه الامة وغضب عليه رب العالمين , ومن ينجو من عقاب هذه المظالم , وسيقال له يوم القيامة : ( وقفوهم انهم مسؤولون ) نعم سيسأل كل حاكم عما اجترحته من سيئات ومظالم في حق امته , ولو كان (عموما ) مطبقا للاسلام منفذا لأحكام القران حاميا للثغور مدافعا عن بيضة الاسلام كعبد الملك .
وكيف تكون المسؤولية اليوم أعظم والمحاسبة حين لايكون الحكام كذلك ؟ لاشك ان المسؤولية اليوم أعظم والمحاسبة يجب ان تكون أشد , اذ حكام الامس الذين ذكرتهم في هذا الكتاب كالملائكة بالنسبة لحكام اليوم !!
( مات سعيد سنة احدى وتسعين هجرية وله من العمر 74 عاما ) .
هوامش :
(1) لانه كما مر كان لاينظر الى قفا رجل في الصلاة . اذ كان يصلي في الصف الاول ولم تفته تكبيرة الاحرام رضي الله عنه .
(2 ) ص 117 ج2 وفيات الاعيان .
(3) ص 127 ج 5 الطبقات الكبرى لابي سعيد .
(4) ص 122 ج5 الطبقات الكبرى |